مدلولات «الأسد أو نحرق البلد»

عنب بلدي – العدد 113 ـ الأحد20/4/2014

012121جمال الزعبي

النظام السوري هو أحد الأنظمة التي تتبع للمعسكر الشرقي، ويعتبر من أهم عناصر التوازن في المنطقة العربية، بنظر حلفائه وجيرانه، ويفوق بالأهمية الأردن ومصر، ولو أنه محسوب على المعسكر الشرقي فهذا لا يعني إقرار العداء للمعسكر الغربي، بل على النقيض تمامًا، هناك أعمال استخباراتية كبيرة قام بها لصالح الولايات المتحدة.

المراد قوله إنه ليس كسائر الأنظمة السطحية التي تقف على هامش السياسة، والتي تسلم نفسها في أول منازلة، فالارتباط المصيري المشكل خلال الحقبة الزمنية لاستلام «العلويين» الحكم على الصعيد الداخلي والخارجي هو بيت القصيد، والمسألة الوجودية بعبارة «إما أنا أو الطوفان» ليست من فراغ، لكنها وليدة ظروف معينة نشأت خلال تطبيق سياسة «فرق تسُدْ» ذات المنشأ البريطاني والفرنسي من أفكار سايكس وبيكو. ومن شأن هذا الأسلوب، في التعامل والحكم، تقطيع الأوصال بين الناس وإلغاء التكتلات الشعبية ممن هم أنداد للنظام وهذه التكتلات تعتبر أيقونة أي انقلاب وثورة ضد أي نظام حكم. بمعنى آخر تحطيم مخططات استعمارية دولية من مساعيها السابقة إيصال هذه المنظومة المخابراتية لسُدة الحكم والموكلة بحماية الحدود مع إسرائيل (اللبنانية والسورية).

ومنذ ذلك الحين يقدم النظام نفسه كأفضل خيار تسقط دونه الاحتمالات، وليقينه بهذه الحقيقة أطلق شعار «الأسد أو نحرق البلد»، فحيثما حلّ الخراب والدمار نجد هذا الشعار مكتوبًا يحمل في طياته مدلولات سياسية عميقة.

ربما الشيء الذي يعبر عن تعقد الثورة هو مرارة الواقع وتشابك الأحداث واختلاط الأوراق وكثرة اللاعبين، وإن لم يظهروا، فالثورة أصبحت تنكرية، والقتال فيها يجري بالوكالة، إما بشكل رسمي واضح أو تبعية غير مباشرة، فهناك توجهات دولية تتحكم لحد كبير بسير الأحداث، كنوعية المواقع التي تحرر، والتي عادةً ما تكون ذات أهمية استراتيجية أو عسكرية كاحتوائها على نوع معين من الأسلحة، كذلك تسليم الجبهات وترك ممرات آمنة لانسحاب قوات النظام، وأيضًا الاقتتال الحاصل بين عدد من فصائل المعارضة على اختلاف توجهاتها. كل هذا من ضمن الإملاءات الدولية الرامية لتكريس التفرقة والتحزب والانقسام في صفوف المقاتلين.

الولايات المتحدة وغيرها من الدول المعنية بمراقبة وتوجيه الأحداث تعلم مدى قدرة النظام على الاستمرار والصمود أمام قوات الثوار المشتتة، وبهذا تستطيع -لحد ما- المحافظة على توازن القوى على الأرض بوسائل عديدة، ومع أننا نشهد تقدمًا للكتائب على عدد كبير من الجبهات، إلا أن هذا لا يعني انتصارًا، ولنكن واقعيين في هذا الطرح، لأن المراكز الحيوية في المدن إضافة لأهم المطارات المدنية والعسكرية والشريط الحدودي الاستراتيجي والذي يتضمن المعابر مع دول الجوار بما فيها البحرية إن لم تكن بيد النظام فهي غير مُفعّلة، والسبب هو الاتفاق الدولي الذي يقضي بالتحكم بتلك الكتائب وتحجيم منابع إمدادها، وبهذا يسهل تغيير ميزان القوى لصالح المشروع الدولي الذي يرمي لتقسيم الدولة على أسس شاهدناها في العراق، والسماح للدول الحدودية التوغل أكثر داخل الحدود المرسومة تحت مظلة أمن المنطقة.

«الأسد أو نحرق البلد» أي أنه إما أقبية المخابرات ومرارة العيش، أو التقسيم والخراب والجوع والتشرد، فهي رسالة للشعب الذي ثار، بأن العلاج إن وجد فهو البتر وضياع البلاد، وأن النظام «خير الموجود»، وقد نجح لمدة أربعة عقود في تمثيلية المقاومة فكانت تجارة رابحة وحجة واهية لاستنزاف قدرات الشعب والدولة في سوق الهتافات، واستطاع من خلالها حجبهم عن الخوض في سلك السياسة واقتصار هذه المهمة على العائلة الحاكمة، ولتبقى الجولان شماعة وبطاقة خضراء لأي جريمة يرتكبها بحق الشعب، فكل ظالم لا بد أن يجد لظلمه تأويلاً.

«الأسد أو نحرق البلد».. أي فلتعلم أيها الشعب السوري أني سأجعلك ترى جحيم الماضي جنات النعيم أمام مأساة الحاضر، بطشي سيطالكم بالسيارات المفخخة والاغتيالات والجوع والحرمان.

«الأسد أو نحرق البلد».. هي نتاج تجربة دموية في حماة، مشابهة لتجربة الثورة الآن، مع فارق حجمها، شاركت في وأدها ذات الدول المشاركة فيما يسمى «أصدقاء الشعب السوري»، ممن أقاموا معسكرات لتدريب المقاتلين آنذاك ويفعلون ذلك الآن بثوب الصداقة.

إن ما يتفق عليه بالسر والخفاء أخطر وأهم من الظاهر في الإعلام، لذا لا يتعجب أحدنا من تحول مفاجئ وتدخل غير مسبق التمهيد له، قد يعيد ترسيم الحدود وبسط سيطرة ونفوذ من نوع معين، الأيادي الخفية تعمل عملها، وقوى الشر اجتمعت وعلى قوى الخير الاتحاد، وكما يقال، الحقيقة المرة خيرٌ ألف مرة من الوهم المريح، وكما يعلمنا الماضي بأن الفوضى كالفريسة يجتمع عليها الوحوش كما يجتمع الذباب على اللبن الآسي، علّمَنا التاريخ أن نحذر من صيادي الفرص الذين شاهدناهم في البوسنة وكوسوفو والشيشان والعراق ومالي وليبيا والسودان واليمن وغيرها، ونتكبد الخسائر والتضحيات على حساب سيادتنا وأرضنا وديننا.

«الأسد أو نحرق البلد».. من هنا مرّ رجال الأسد.. من هنا مرّ المغُول.. شعار كل ظالم وعنوان كل مجرم عبرَ التاريخ مع اختلاف المسميات، لكن التجبر والتعنت والتكبُّر غريزة المستبدين وفطرة الظالمين، لأن ملةَ الظالمين واحدة.

تابعنا على تويتر


Top