إرهاب التلوث.. اللاجئ البيئي خيار أم ضرورة

عنب بلدي – العدد 114 ـ الأحد27/4/2014

حلببيلسان عمر

كثيرًا ما نسمع في ثقافة الحروب عن الأسلحة الكيميائية، وعن القنابل العنقودية، وكل مرة تعود لذاكرتنا أحداث هيروشيما، وما خلفته من نتائج صحية جسيمة على الأجيال اللاحقة، وبات السوريون اليوم يقتلون بأشكال متعددة، مرة بقذائف الهاون وأخرى ببراميل الطيران الحربي، والمجازر الجماعية، والسلاح الكيماوي، ناهيك عن القتل المباشر رميًا بالرصاص الحي، أو الموت البطيء تحت التعذيب داخل المعتقلات.

أما «الحرب الجرثومية» فهي تحضر في أذهان السوريين كلما لاح طيف تطور التقانة، وتذليلها من قبل البعض لإبادة الآخرين، فكمية لا تتعدى كيلو غرام واحد من المواد البكتيرية المحضرة مخبريًا من قبل الكيميائيين المتخصصين، كفيلة بالقضاء على المئات دون إثارة أدنى ضجيج.

واليوم نعايش تلوث الماء والهواء والتربة والنبات كنتائج أولية وملموسة للأحداث في سوريا، وبتنا نعاني من فرط في الحساسية، والتهاب القصبات والربو والتهاب الأنف التحسسي والتهاب الجيوب، والنزلات الصدرية الحادة والمزمنة، وضيق التنفس، والإسهالات والتهاب الأمعاء وغيرها من الأمراض المتعلقة بخصائص البيئة المحيطة، هذا ناهيك عن التلوث الضوضائي الذي تحدثه آلة الحرب، وما يرافقه من صداع وقلق وتوتر، وأصبح شغلنا الشاغل الابتعاد قدر الإمكان عن مصادر التلوث هذه لننقذ ما أمكن إنقاذه، ومن بقي «تحت سقف الوطن الملوث».

نؤمن –ضمنيًا- أن الإنسان يضطر لترك بلده بحثًا عن آخر أكثر أمنًا بيئيًا له ولأولاده، ونستقرئ الهجرات فنجد منها بسبب الفيضانات أو البراكين أو الزلازل أو الأعاصير، أو الحرائق أو العواصف الترابية، وكذلك الجفاف والتصحر، ويتطلب الأمر تكاليف باهظة لتعويض الخسائر، وتأمين متطلبات «النازحين» بدرجة لا تقل أهمية عن اللاجئين لأسباب سياسية، أو نتيجة الخوف من التعرض للاضطهاد بسبب العرق أو اللون أو القومية أو حتى الدين، حسب المفهوم الدارج للجوء.

سمعنا عن حمى الأرانب الذي ظهر في الحربين العالميتين الأولى والثانية، وعن جنون البقر، والحمى القلاعية، والتسمم الغذائي، والجمرة الخبيثة وما يرافقها من أعراض، ومرض الحمى الجرثومي (السارس) القاتل كما حدث في الصين (2003)، حيث يمكن نشر هذه المواد بسرعة كوضعها على شكل مساحيق متعددة الألوان تشبه الطحين أو السكر والملح وحتى مواد الغسيل، ويستخدمها المعتدي برشها على المواد الغذائية، (كما حصل في أمريكا عام 1994، حيث أقدمت مجموعة على نشر مواد سامة على سائل البندورة الموجود في الوجبات الجاهزة والبيتزا في مطاعم ولاية أور، مما أدى إلى إصابة ما يزيد عن 750 شخص)، أو حتى بحقنها كأدوية طبية، مروًا بصفقات أدوية منتهية الصلاحية تباع في الصيدليات، ومساحيق ووصفات تباع على البسطات بسعر أرخص.

واليوم نسمع عن انتشار أمراض داخل الأراضي السورية، في ظل حصار مطبق على معظم المناطق، وتنتشر لقاحات الأطفال دون الخامسة في كافة المراكز الطبية، كمخدر لهذه الجراثيم الفتاكة التي ستعصف بالبلاد، في ظل استخدام المواد الكيماوية، والمواد الحارقة والغازات المسيلة للدموع كسلاح فتاك وسريع من قبل النظام السوري، أو حتى على مستوى حرق الإطارات كتعبير سلمي عن الاحتجاجات من قبل المتظاهرين، مرورًا بحرق الممتلكات، وقطع الأشجار حسب ضرورة الجبهات من قبل الجيشين النظامي والحر، وعدم استيعاب شبكات الصرف الصحي للتجمعات السكانية الكبيرة، والأغبرة المتصاعدة من الركام والأنقاض، وسوء التغذية نتيجة ارتفاع معدلات الفقر بشكل غير متوقع.

وتبقى صيحات الأمم المتحدة متوجهة نحو عقد مؤتمرات تعنى بالبيئة على اعتبار أن الأمن البيئي سلاح يهدد الأمن العالمي، فهل ستدرج يومًا في برامجها مفهوم «اللاجئ البيئي» الذي خرج بنفسه وأولاده من بين الركام، بحثًا عن بيئة أقل إضرارًا بصحته، وبعيدًا عن مفهوم اللاجئ السياسي، وإن لم يعر الأحداث أيما وقت وجهد، فهو بالنهاية متضرر في كل ذرة هواء يتنفسها.

وهل ستلبي الحكومات والجهات المسؤولة نداءات العالم اليوم لمزيد من الاهتمام بالبيئة، أم سيقتصر دورها على عقد المؤتمرات التي لا تسمن ولا تغني من جوع، كما حصل في توقيع عدة اتفاقيات دولية في واشنطن وأخرى في جنيف، تنص على تحريم استخدام السلاح الجرثومي (البيولوجي)، لتبقى هذه المعاهدات مجرد حبر على ورق، ولنبقى نحن بين نارين، نار الوطن الملوث، ونار اللجوء البيئي.

تابعنا على تويتر


Top