الصورة.. أصدق أنباءً من الكتب

-المحالي-لمدينة-داريا-المكتب-الإعلامي.jpg

عنب بلدي ــ العدد 115 ـ الأحد 4/5/2014

OLYMPUS DIGITAL CAMERAبيلسان عمر – عنب بلدي

بات التقاط صورة تذكارية جزء من الثقافة الاستهلاكية لدى الكثير من السوريين، يخزنون في ذاكرة كاميراتهم مشاهد قد تعجز عقولهم عن استيعابها، وقد تفرغ أشخاص كثر لمهمة التصوير في الثورة -مثلًا- فيمن عرفوا باسم النشطاء الإعلاميين، واستشهد العديد منهم وهم يحملون عدساتهم يتقصّون بها الحقيقة، آملين نقلها إلى صاحب بصيرة، يترجمها أفعالاً تليق بإنسانيته. واشترط وجود مصوّر ضمن فريق التوثيق، وحتى في أشد المواقف ألمًا، يتفرغ أحدهم للتصوير، بينما يعمل آخرون في إسعاف الجرحى، ونقل الجثث، وتستعمل مثل هذه الصور وسيلة إقناع لمن تراوده الشكوك في صدق توجهات الثورة والمعارضة، وفي الوقت ذاته ينشر النظام بقنواته الإعلامية صورًا لجثث تحت الأنقاض، أو معتقلين استشهدوا تحت التعذيب، غير آبهين بما يعتلج في نفوس ذويهم من آلام

ويرى البعض بأن الصورة أسهل وسيلة لإيصال الأفكار، جذابة على خلاف السرد النظري، ويمكن تفعيلها بشكل أكبر في مجالات التعليم لجذب انتباه الطلاب، بينما تفضل غزل (15سنة) أن تتواصل مع صديقاتها عن طريق إرسال الصور رغم أنها لا تسمن ولا تغني من حاجة عاطفية للقاء الأحبة، إلا أنها قد تفي بالغرض في ظل غياب كثيرين «أول ما أفتح واتس أب أرسل لأصدقائي صورًا ألقي عليهم بها تحية الصباح، ونرسل لبعضنا صورة فنجان قهوة، ثم تبدأ نشرة المنوعات، ونذهب لقضاء الدوام المدرسي، نتبادل هناك آخر ما وصلنا من صور ومقاطع صوت وتسجيلات حديثة، ونتشارك طعام الغداء وكذلك العشاء والمشروبات والعصائر بالصور،-ع مبدأ العين اللي بتاكل- ونزين طاولة الطعام لأجل التقاط صورة تذكارية».

بينما اختار عامر الالتحاق بصفوف الجيش الحر، فكان –كما تقول أخته-لا يفوّت عليه موقفًا يلتقط به صورًا مع أولاده، علهم يعرفونه ولو بالصورة، وكثيرًا ما كان يمازح أسرته، ويقترح عليهم التقاط صور تذكارية، تقلّب الأخت الملتاعة ألبوم الصور مع شريط ذكرياتها وأخيها، وتقول: «صور عامر نعمة، أستأنس بها في لحظات الشوق، ونقمة لأنها تمنع ذاكرتي من نسيان أدق لحظات جمعتنا».

وعلى حواجز النظام الأمنية، يعتبر أحد العناصر نفسه مستهدفًا من قبل الإرهابيين، فتجده يلتقط صورًا تذكارية له مع عناصر الحاجز، وهو يحمل سلاحه وجعبته، واقفًا أمام صورة «القائد»، ويتبادل مثل هذه الصور عبر وسائل الإعلام السوري، كحماة للوطن.

أم محمد تقول «ربيت أولادي الثلاثة كل شبر بنذر، ولما صاروا يزحفوا ويمشوا، وبعدها يحكوا، ودخلوا المدرسة والجامعة، وأخذوا الشهادة، وأنا وعدستي معهم، أسجل لهم ضحكاتهم، غمزاتهم، سهراتنا سوية، وحتى لحظات شجارهم مع بعض، وبدأت الثورة، وعدسة ابني الصغير الإعلامي تلاحق خطوات أخيه الكبير الطبيب المسعف، وأخيه الجندي المقاتل في الجيش الحر، ليزف إلي أحد أصدقائهم نبأ ارتقائهم مع فيلم خاص بكل تحركاتهم أثناء عملهم، وبقيت أعاين صورهم، أداوي بها جراحي، فتزيدني ألمًا على فراقهم».

وتبقى الصورة الوسيلة الأسهل للتواصل، تذكّر أصحابها بلحظات عاشوها مع أحبة باتوا تحت التراب أو خلف القضبان، أو حتى وراء حدود الوطن، وتحفظ المدينة الأم بأبهى صورة أمام ما تتعرض له اليوم، وكذلك تبقى رمزًا لأشخاص ما زالت القداسة هالة تحيط بأسمائهم، وتعلّق صورهم حفاظًا على مكانتهم المزعومة أن يدوسها التغافل، مع وجود كثر همهم التصوير لأجل التصوير، غير آبهين بما يمكنهم فعله لو تركوا الكاميرا لحظات.

تابعنا على تويتر


Top