ثنائية المأساة والإبداع

1005143_516036815116881_1537583899_n.jpg

عنب بلدي ــ العدد 116 ـ الأحد 11/5/2014

1005143_516036815116881_1537583899_nحنين النقري

النزوح، الهجرة، الاعتقال، التعذيب والاعتداء، الإصابة، هدم المنزل والحي والمدينة، استشهاد عزيز، الفاقة والحاجة، الحصار.. مفردات من قائمة تطول ولا تنتهي إذا حاولنا جمع المحن والتحديات التي واجهت -ولا تزال- معظم السوريين في السنوات الثلاث الأخيرة، وليس الكلام هنا بالجديد فقد استخدمت هذه الكلمات والآلام في بكائيات ومراثٍ كثيرة، وهذا تمامًا سبب كتابتي عنها وتسليطي الضوء عليها، فأي جدوى جنيناها جميعًا من الرثاء والبكاء والندب والشجب؟ وإلى متى نتعامل مع آلامنا وأحزاننا بالانتظار والانتظار فقط؟

ربما يكون طول أمد الثورة السورية أو تقلبات أوضاعها -مقارنة بثورات الربيع العربي- مدعاة للتعب والضجر والرغبة بأي حلّ كان، وتدني مستويات الصحة النفسية جراء الحرب وأوجاعها، لكن لم لا تتم المقارنة مع ثورات أطول وظروف أصعب مرت بها شعوب أخرى، ونرى كيفية تعاملهم معها.

القارة الأمريكية الجنوبية على سبيل المثال مرّت بحروب وانقلابات عسكرية جعلت الحياة فيها جحيمًا في الربع الأخير من القرن العشرين، ففي «تشيلي» مثلًا دام الانقلاب العسكري والحكم بقوة السلاح -مع ما يعنيه الأمر من اعتقالات ونزوح وقتل وتدمير ومقابر جماعية- دام قرابة السبعة عشر عامًا، والأمر شبيه في باقي دول أمريكا الجنوبية. اليوم نرى الأدب اللاتيني يزاحم شتى أنواع الأدب العالمي ويكتسب شهرة ومكانة بارزتين في معظم الجوائز العالمية، مثل كتابات باولو كويللو، غابرييل غارسيا ماركيز، ايزابيل ألليندي، -وغيرهم الكثير- والتي تترجم في كثير منها المتاعب والأيام المريرة التي مرت بها تلك القارة.

الأمر ليس مجرد مصادفة، فثمة دلائل تشير إلى صلة ما بين ما كابدته بعض الشعوب وبين حجم الإبداع الذي صدر عنها، الأدب الروسي مثال حاضر هنا أيضًا، كما أن الأمر يبدو واضحًا عندما نلاحظ أن عددًا كبيرًا من الكتاب البارزين على مستوى العالم مروا بتجارب قاسية للغاية في فترة ما من فترات حياتهم، جعلت نتاجهم مصطبغًا بلهجة إنسانية صادقة، ومشاعر حقيقية دقيقة كان لها أثرها عند القارئ والناقد.

ليست نهاية العالم إذن، وما نمر به اليوم -مهما طال- مرحلة فحسب، من الجيّد أن نستذكر أيضًا أن شعوبًا أخرى مرت بنفس التجربة يومًا وخرجت منها بإرادة أقوى وبناء حضاري أكثر ثباتًا، ومن المهم ألا نجلس لننتظر ذاك اليوم المنشود بالنصر والفرج القريب، لأن الانتظار سيضاف إلى قائمة همومنا كلها.

التعامل مع الهموم والمشاكل والمواقف التي مررنا بها بالكتابة -تسجيل يوميات بسيطة فحسب- سيعطينا الكثير، فهو بدرجة أولى وسيلة تفريغ هامة وناجعة جدا للضغوط النفسية التي نمر بها، لا يحتاج الأمر إلى ألفاظ فخمة أو مقدمات مدبجة، لغة سلسة ومشاعر حقيقية أشبه بالثرثرة الكتابية ستكون كفيلة بتقديم راحة ننشدها، تنشيط ملكاتنا الكتابية، وجعلنا نقوم بأمر أثناء الانتظار، إضافة إلى أمر مهم للغاية: أرشفة وتوثيق ما نمر به كشعب كامل في هذه الفترة المهمة من تاريخنا (الكتابة هنا مجرد اقتراح ضمن اقتراحات كثيرة ممكنة كالرسم والتصوير وغيرهما).

النزوح، الهجرة، الاعتقال، التعذيب والاعتداء، الإصابة، استشهاد عزيز، الفاقة والحاجة، الحصار.. ليس مراثٍ وبكائيات فحسب إذن.. لم لا نحاول النظر إليها كفرص ثمينة ﻹخراج أفضل ما لدينا من مشاعر وقدرات؟ التجارب الحدّية وبالغة الصعوبة لا يمكن أن تمر دون أن تقدم لنا شيئًا، فلنحاول التفتيش عما أعطتنا إياه، فلعلّه أثمن ما جنيناه يومًا.

تابعنا على تويتر


Top