خلع الحجاب لدى الناشطات السوريّات.. ثورة أم تفلّت

Saraya_Irbid_2.jpg

جودي سلام  – عنب بلدي

انتشرت مؤخرًا ظاهرة خلع الحجاب بين الناشطات السوريات بشكل محدود، وبين تأييدٍ لهنّ على أن هذا «ثورة على العادات والتقاليد»، وبين اتهاماتٍ تصفهن بـ «الإلحاد، وخيانة العقيدة الإسلامية»؛ تستعرض عنب بلدي الحالة لدى بعض الناشطات اللاتي قمن بخلع حجابهن والأسباب التي آلت إلى انتشار هذه الحالة.

  • دور الجماعات المتطرفة

مريم، إحدى الناشطات من مدينة دمشق، وهو اسم مستعار، تروي لعنب بلدي قصة ارتدائها الحجاب منذ سن الخامسة عشرة، حين لم تكن «مقتنعة به لكنها كانت تحب نفسها وهي محجبة».

وتكمل مريم أنها مرّت بمرحلة من الالتزام وحضور الدروس الدينية في دمشق، ثم سافرت إلى أوروبا لتكمل الدراسات العليا، وأصرت على الحجاب هناك رغم الصعوبات في الدراسة والعمل، بسبب منع الحكومة الفرنسية للمرأة من ارتداء حجابها، رافعةً دعاوى «تتحدى هذا القرار لأنه كان يمنعني من ممارسة حريتي، في بلدٍ يتغنى بالديمقراطية».

لكنّ قناعتها بالحجاب بدأت تتلاشى خلال الثورة السورية، خصوصًا حين «بدأت انتهاكات بعض الجماعات التي تتكلم باسم الدين الإسلامي في المناطق المحررة»، فخلعت حجابها لأنها لا تريد «أن تحسب على هذه الجماعات». وأضافت إنه «ليس من المعقول أن يكون إظهار شعري هو الحرام، بينما ما يحصل في بلادي على أيدي الجماعات الإسلامية لا أحد يعير له أي اهتمام»، مشيرةً إلى أن «معاملتنا هي الهوية، وليس الحجاب».

ثم أكدّت مريم أن الثورة أعطتها «دافعًا قويًا لاتخاذ القرار»، لم تمتلكه طيلة 15 عامًا، رغم مواجهتها لكثير من الانتقادات من والدها وأصدقائها، بينما اعتبره بعض أصدقائها «شجاعة وبداية كسر للقيود التي يفرضها المجتمع على المرأة».

  • غياب القناعة

أما ديمة وهي ناشطة أخرى من عائلةٍ محافظةٍ في دمشق، خلعت حجابها بعد 11 عامًا من وفاة والدها، حيث أجبرها جوّ منزلها الذي بات «دينيًا» على ارتداء الحجاب بعد وفاة الوالد، وقد نشأت بعدها على «دروس الداعية عمرو خالد»، وأتمت دراستها في مدارس «عمر بن الخطاب الشرعية في دمشق». لكنّها في ذات الوقت لم تغيّر كثيرًا من لباسها فكانت «فتاة ع الموضة» بحسب تعبيرها، وبقيت محجبة حتى بدأت العمل مع «مفوضية الأمم المتحدة»، وسط «جوّ من الاختلاط»، وبدأت تتعامل مع الحالات الإنسانية خلال الحرب في العراق والخلافات الطائفية آنذاك، لتبدأ حينها بإعادة النظر بمبادئ أساسية لا تقتنع بها في الدين، ويبدأ الصراع مع نفسها لخلع الحجاب.

وما إن بدأت الثورة السوريّة حتى صار تفكير ديمة بخلع الحجاب «جديًا»، شاعرةً بأنها ستكون «شخصًا آخر مختلفًا بدونه».

وتروي ديمة لعنب بلدي قصتها، فبعد سفر أهلها إلى الأردن لسوء الأوضاع في منطقتهم بداية رمضان 2012، اضطرت للنوم عند صديقتها إثر اشتداد القصف على المنطقة، واجتمعت حينها بأحد إخوة صديقتها لتقرر خلع الحجاب لأنها «غير مقتنعة بأنه فرض»، متسائلةً عن السبب الذي يجعلها ترتديه أمام الشاب. وتردف ديمة بأنها اتصلت بأهلها لإخبارهم «أمي حزنت لهذا الخبر وإخوتي أيضًا، وقد أسمعوني بعض الكلمات غير اللائقة»، لكن لم يمضِ شهر رمضان حتى عادت «العلاقات عادية وكأن شيئًا لم يكن».

وكما حال مريم تقول ديمة «الثورة أعطتني مساحة لتنفيذ القرار والحرب عجلت التنفيذ»، مردفةً بأنها «تحترم من هو مقتنع بالحجاب»، لكنها تشعر «براحة كبيرة بدونه».

  • التزامٌ وثبات في الموقف

وعلى العكس تمامًا ترفض غادة، الناشطة في الدفاع عن حقوق الإنسان والتي ترتدي نقابًا يغطي معظم وجهها، فكرة خلع الحجاب وتقول «حضرت عدة دورات تدريبية في مجال المحاكمات الدولية وحقوق الإنسان، ورغم ارتدائي للنقاب، فلم ألاحظ أي امتعاض أو استغراب من وجودي، رغم أن المحاضرين معظمهم أوروبيون»، وتضيف «بل على العكس تمامًا كان المحاضرون يصافحون الجميع، وعندما يقترب أحدهم مني يبتسم في وجهي ويحيي برأسه».

وترى غادة أن معاملتها بهذه الطريقة «إنما تدل على احترام الغرب لهوية المرأة المحجبة، في الوقت الذي أضحى فيه الرجل الشرقي المتحضر والمثقف ينظر إلى الحجاب نظرة ازدراء».

بينما تعتبر حنان، خريجة كلية التربية والأخصائية في الدعم النفسي وحقوق الطفل، التزامها بالحجاب يمثل جزءًا أساسيًا من مبادئها وهويتها وهو ليس مفروضًا عليها، وهي «مقتنعة تمامًا بذلك»، مضيفة أن التزامها بهوية محددة وثابتة تساهم في استقرار وثبات بناتها في ظل التغيرات المجتمعية الكبيرة التي أنشأتها الحرب.

  • تسهيل فرص الزواج

أما عبير، إحدى الناشطات في مجال المجتمع المدني المتواجدة في تركيا، فخلعت حجابها في الآونة الأخيرة، وتقول لعنب بلدي بأن أحد الأسباب التي دفعها لهذا هو أن «المرأة غير المحجبة فرص زواجها وارتباطها أكبر من المحجبة».

بينما تقول أم شفيق، وهي إحدى «الخطّابات» المعروفات في دمشق، أن خلع الحجاب لاعتقاد أن ذلك يجلب فرصًا للزواج منتشرةٌ حتى قبل الثورة، مشيرةً إلى أن ذلك يعود إلى البيئة التي تتواجد فيها الفتيات، حيث تلتزم بعضهن بارتداء «المانطو» في المناطق المحافظة دون قناعة به، لأن ذلك يجلب لهن فرصًا أكبر في الزواج.

  • هشاشة الارتباط الديني

بدورها عزت أسماء، الناشطة والأخصائية في علم النفس، مسألة خلع الحجاب إلى أن «المجتمع السوري مجتمع يحكمه الخوف من كلام الناس والعادات والتقاليد أكثر من الخوف من الله»، متسائلةً «ألهذه الدرجة معتقداتنا وأفكارنا وأسسنا الدينية هشة حتى تتغير بهذه السرعة؟».

وتضيف الأخصائية، إن الحالة «مرتبطة بفقد الأشخاص لكل شيء»، ما يجعل الناشطة «تبحث عن وسيلة للتفريغ» خصوصًا بعد خللٍ في التقاليد أنتجه النزوح، وتغيير مفاجئ في المجتمع، ما أدى إلى اتخاذ قرارات جديدة غير مدروسة سواء كانت صحيحة أم خاطئة.

كما أن تغيير البيئة الاجتماعية الحاضنة، خلقت شيئًا من اللامبالاة لدى البعض، لذلك حين تخلع الناشطة حجابها فهي لا «تحسب حساب أحد».

  • نظرة المجتمع

في الأوساط المحافظة، وهي الأوساط الأكثر انتشارًا في سوريا، يعتبر معظم العوام المسألة على أنها «انحلالً خلقي»، موجهين الاتهامات لهؤلاء الناشطات بـ «الإلحاد وخيانة الدين والمجتمع»، وعادةً ما يلقون اللوم على الثورة بالعبارة «هي هيه الحرية يلي بدكن ياها».

بينما يقول حسام، أحد الناشطين في مجال الإغاثة في دمشق، «لم يكن بشار يمنعهم من خلع حجابهم… لماذا قاموا بكل هذه الثورة؟».

في حين طالبت نجلاء، الناشطة في مجال تمكين المرأة (وهي ترتدي الحجاب)، بالابتعاد عن النظرة السيئة للناشطات اللاتي يخلعن حجابهن، مؤكدةً بأنه من الخطأ تقييم المرأة من حجابها، فالإنسان «يقيم بمعاملته، أما عبادته وحجابه فهي لربه وليست لنا».

كما تقول أم عماد، وهي امرأة محجبة من مدينة داريا، إن ارتداء الحجاب «يجب أن يكون عن قناعة وفهم صحيح للدين، وإلا فخلعه أولى إن كانت الفتاة تلبسه مجبرةً أو ليست مقتنعة به».

تابعنا على تويتر


مقالات متعلقة


الأكثر قراءة

    Top