المصالحات… ما لها وما عليها

عنب بلدي ــ العدد 118 ـ الأحد 25/5/2014

A member of Syria's armed opposition forces chats with an officer from the forces loyal to Syria's President Bashar al-Assad in Babila town, southeast Damascus, after a local ceasefire agreement was reachedعمرو الدمشقي

مصالحة، تسوية، هدنة، مسميات كثيرة تحمل ذات المضمون، بعد أن بدأت حلقات مسلسل «العودة إلى حضن الوطن» في بلدة تلكلخ إبان اقتحام القصير في العام الماضي، ثم انتقلت عدوى التسويات إلى باقي المناطق على حياء.

العامل المشترك لجميع المدن الداخلة في هذه التسويات هو الحصار الخانق، فالجوع ونقص الذخيرة، إضافة لخذلان الدول الداعمة والمناطق المجاورة، اضطر المقاتلين المحاصرين إلى الرضوخ لإملاءات النظام الذي أجرم بحقهم وحق أهاليهم.

بعد تلكلخ دخل الريف الجنوبي لحمص ثم الريف الغربي كالزارة والحصن، ثم انتقل الوباء إلى الريف الدمشقي المنهك، فكان مخيم اليرموك أول المنضمين نتيجة حالات الوفيات التي تذكرنا بـ «المجاعات الإفريقية»، حيث خسر عشرات المدنيين أرواحهم بسبب الجفاف وسوء التغذية.

بعدها دخلت المعضمية وبرزة ويلدا وببيلا وبيت سحم والزبداني ومناطق أخرى مثل قدسيا والهامة، لكن الضحية الأكبر كانت حمص عاصمة الثورة التي افترسها النظام في الفترة الأخيرة، ليتم انسحاب المقاتلين منها برعاية أممية وإيرانية.

واليوم تجري مفاوضات عديدة في الريف الدمشقي حول انضمام باقي المناطق المستعصية حتى اللحظة رغم واقعها المأساوي، ويضغط النظام، والدول الراعية له مثل روسيا وإيران، من أجل إنجاح هذه التسويات ضمن خطة لإخضاع الشعب الثائر.

من سلبيات المصالحات إعادة السيطرة العسكرية للأسد على تلك المناطق، وسحب الشرعية من المعارضة الخارجية كـ «الائتلاف»، نظرًا لاستبعادها من عملية التسويات وحصر الأطراف المفاوضة بين النظام والقيادات العسكرية الميدانية، التي بالغالب لا تربطها أي علاقة بالمعارضة الخارجية.

كما تعتبر هذه التسويات استردادًا لشرعية النظام الخارجية أمام المجتمع الدولي، وإظهاره بحلة المنتصر على أعدائه، وأن ما يحصل في سوريا «مجرد مشاكل داخلية قابلة للحل»، ثم إن للورقة بعدًا آخر في تركيز النظام على شرط «طرد الغرباء» من المناطق المهادنة، بهدف المتاجرة بورقة مكافحة الإرهاب لاحقًا.

السيناريو يعيدنا إلى سياسة الروس في حربهم ضد الشيشان، حيث جربوا هذه الطريقة وأثبتت فعاليتها بإعادة الشعب الشيشاني إلى العباءة الروسية بعد جولات مريرة من الصراع، كما أن الجزائر أيضًا مرت بنفس التجربة في فترة التسعينيات أثناء ثورة الشعب ضد الجنرالات.

أما إيجابيات المصالحات فمنها عودة المهجرين والمشردين إلى ما تبقى من مدنهم المدمرة، بعد العذابات الموجعة التي تجرعوها في مخيمات اللجوء، إضافة إلى حفظ أرواح الشباب الثائر وإيجاد مخرج لهم من حالة الحصار الخانق، كما تشمل الهدن إمكانية الإفراج عن بعض المعتقلين.

صحيح أن سلبيات هذه العملية أكثر من إيجابياتها، إلا أننا لا نستطيع لوم المحاصرين على قبولها، فحق الحياة من الضرورات الواجب حمايتها، خصوصًا أن آلاف المدنيين والمقاتلين كاد الجوع يفتك بهم، ناهيك عن البراميل المتفجرة والصواريخ بأنواعها.

إن دول «أصدقاء الشعب السوري» تتحمل جزءًا كبيرًا من المسؤولية، فكيف نتوقع من شعب تسلح بأسلحة خفيفة ومتوسطة أن يصمد في مواجهة آلة عسكرية ضخمة للأسد وحلفائه، من طائرات ومدرعات وصواريخ لفترات طويلة، بدون دعم يعزز صموده، كما أن تشرذم الفصائل المعارضة المقاتلة وانشغالها بمعارك جانبية، ساعد النظام على تحقيق مبتغاه في التسويات.

الثورة السورية كغيرها من ثورات الربيع العربي تمر بلحظات عصيبة، لأن التوجه الدولي المساند للنظام أو المتجاهل لانتهاكاته، يقضي بإرجاع الثائرين إلى حظائر المستبدين، لذلك فإن على الشباب الثائر اليوم رصّ الصفوف وتوحيد الجهود لتحقيق أهداف ثورتهم السامية في الحرية والعدالة والعيش بكرامة.

تابعنا على تويتر


Top