هل«التقسيم» هو المرحلة المقبلة؟

عنب بلدي ــ العدد 119 ـ الأحد 1/6/2014

78875ae4-34a6-47cc-ba8f-8a6068388616_16x9_600x338جمال الزعبي

من منَا لم يُقحم نفسه في مضمار السياسة والتحليل والتنبؤ بالأحداث وتأويل العبارات والمواقف والتصريحات.

هذا حال أكثر الناس، كلٌ بحسب مساحة علمه وثقافته ومعلوماته، فالسياسة حديث الساعة باعتبارها محط اهتمام الشعب الذي يبحث عن تلك القشة كطوق للنجاة بين ما تبثه وسائل الإعلام المرئية والصحف، ورحلة السوري في البحث مريرة وفي كل مرة يعتقد أنه نجح في التخمين إلا أن الرياح تجري بما لا تشتهي السفنُ.

صدق القائل بأن السياسة بلا دين، وأضيف أنها تبتعد عن المذاهب والأديان والأعراف والأخلاق والإنسانية والإخلاص والصدق، وبقدر هذا البعد عن تلك القيم تحقق غايتها في الاستغلال والاحتلال والاستبداد وفرض التبعية وإن بدت بأثواب تسرُ الناظرين وتغوي التابعين، ومن يرقب الخيرَ منها كمن يرجو جني السكر من الحنظل، وبالتأكيد هذا لا يعني عدم استشراف المستقبل وترتيب الاحتمالات وترجيح بعضها بشرط الالتزام بالموضوعية وقراءة ما بين السطور.

الآن وفي خضم الأحداث الأخيرة المتسارعة في محافظة درعا على الصعيد الميداني وما يوازيه سياسيًا تتأكد نوايا بعض الدول بخصوص الشريط الحدودي من ريف القنيطرة بالاتصال مع إسرائيل وانتهاءً بريف درعا مع الأردن، فهذه مناطق لطالما كانت بحماية النظام وتحت سيطرته حتى وقت قريب لحين جاءت إليها بعض الكتائب وسيطرت عليها وكسرت معاهدات السلام الضمنية، فقط لوجودها بهذه المناطق، وانطلاقًا من تجارب إسرائيلية ليست ببعيدة في جنوب لبنان في الحرب التي دمرت جنوب لبنان على أثرها وخسرت لبنان 40 كم في عمق أراضيها كي تتوسط إسرائيل دائرة جغرافية أكثر أمانًا. وهذا ينطبق على الحالة السورية في ريف القنيطرة الذي يبعد بضعة كيلو مترات عن حدود إسرائيل، وقد يكون ذلك عملًا بمقولة ديغول «من لا يفهم بالخرائط لا يفهم بالسياسة»، ولا أعتقد أن هناك أنسب من هذا الوقت لتقوم الولايات المتحدة وإسرائيل، في أحسن الأحوال، بدفع قوات أممية تبسط سيطرتها على الشريط الحدودي والتغلغل في العمق السوري عشرات الكيلو مترات بحجة حماية الشعب السوري وفرض منطقة عازلة.

من وقف طوال هذه المدة لوحده يصارع أعتى الأنظمة بطشًا يجب أن يرفض أي مساندة مزعومة وأي تدخل عسكري يثني سيادة الدولة ويلجم إرادتها ويُقيد حدودها. يجب ألا تغرنا الوعود الزائفة بالتسليح والحماية فما هي إلا أكاذيب لكسب الوقت لحين تصبح طبخة التقسيم جاهزة، لأنها حتمية، والأحداث تسير بهذا الاتجاه. لم يعد بالإمكان تعايش المكونات المذهبية والقومية مع بعضها البعض بسبب مواقف تلك المكونات الموالية للنظام، إضافة لرفض هذه الأقليات العيش مع الأكثرية سعيًا للتفرد بالحكم الذاتي.

وبينما الثوار منشغلين بالرباط على الجبهات، بعض الدول الكبرى ترسم حدودًا جديدة يتحاصصون بها على قطاعات الدولة الجديدة بحسب الوجهة الاستثمارية والاستعمارية لكل دولة ترى بأن لها حق في شكل الدولة القادم وتعمل عملها لتعزيز مشروع التجزئة، وإن من أهم أسباب امتداد الثورة عدم وجود اتفاق على الشكل الجديد لسوريا بين هذه الدول.

ما يلفت النظر مؤخرًا خطوة الحكومة الأردنية بطرد السفير السوري من أراضيها، فالبعض قرأ هذه الخطوة على أنها بداية النهاية للنظام، إذ إنَ هكذا تصرف لا يمكن أن يكون إلا بإيعاز أمريكي، ولا بد له أن يحمل شيئًا ما في الأيام المقبلة، كفرض منطقة عازلة محمية من القصف والطيران.

في الحقيقة لم يعلم البعض أن الحكومة الأردنية على تواصل مباشر مع النظام وهي عبرَ غرفة «الموك» التي تشترك فيها عدة دول عربية وغربية بإدارة المعركة وتوجيهها بنسبة جيدة جدًا، ومسألة تحرير المحافظة ليست متوقفة على التدخل، إنما على توجيهات تتلقاها معظم الكتائب العاملة من غرفة «الموك»، فهي تُكن بالرضى والقبول لضمان استمرار دعمها بالسلاح، والتعاطي بهذه الطريقة لا يناسب مبادئ الثورة وقيمها.

لم تعُد الثورة بين شعب ونظام ظالم، المسألة أكبر من ذلك بكثير، فعندما تخرج ثورة تطالب بالحرية وتؤدي نتيجة لقيامها خسارة وحدة البلاد وأمنها وسيادتها يتوجب عندئذٍ على القائمين عليها تصحيح مسارها وإعادة النظر بأسباب انتكاسها، ومعرفة مصادر قوتها والاعتماد عليها. كيف لنا أن ندير الدولة ولم نتوصل إلى صيغة اتفاق على مستوى البلدة فكيف على مستوى المحافظات؟

على هذا تعوّل الدول التي تدعي صداقتها لنا لتحقيق أهدافها في المنطقة، متى نعي إلى أي منحدر تساق البلاد. هل فات الوقت على ذلك أم أننا في فسحة يمكن إدراك الخطر فيها؟!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تابعنا على تويتر


Top