انتخابات السوريين في لبنان، فشل المعارضة الذريع

محمد رشدي شربجي

لنعترف أن مشهد طوابير الناخبين أمام السفارة السورية في لبنان لم يكن متوقعًا، بل وكان صادمًا للعموم، إذ ما الذي يجبر مواطنًا سوريًا على ذل النزوح ومواجهة الحملات العنصرية في لبنان إذا كان مؤيدًا لبشار الأسد. لماذا خرج من بلاده من الأساس؟

مشهد الناخبين المكتظين استغلته الجهات المحسوبة على النظام في لبنان لتظهر مدى تأييد السوريين في كل العالم لبشار الأسد، ولتستغله في ذات الوقت الجهات المحسوبة على كل الأطراف هذه المرة لتزيد من كثافة حملتها العنصرية على وجود اللاجئين في لبنان، داعية لترحيلهم إلى بلادهم طالما انتفى سبب نزوحهم الأساس.

ولكي نفهم ونفسر هذا المشهد الصادم علينا ألا ننسى أن أعداد السوريين في لبنان فاقت المليون نسمة، وأنه مهما كان العدد الذي ذهب للانتخاب فإنه لن يغير حقيقة أن الغالبية العظمى من عموم السوريين المقيمين في لبنان لم يذهبوا إلى انتخابات الدم هذه. ولا ننسى طبعًا التحشيد والتخويف الذي قام به حزب الله وأتباعه في لبنان بحق اللاجئين هناك، مع حملة الإشاعات المنظمة التي أطلقتها المخابرات السورية في لبنان، والتي تقول ‘ن الحكومة السورية ستحرم كل من لم يشارك في الانتخابات من العودة إلى الوطن في المستقبل.

ولكن من جهة ثانية فإن كل هذا ما كان ليحدث لولا أن الثورة قد فشلت –للأسف- بكسب جماهير جديدة، بل على العكس فإن الثورة عبر صراعاتها المتكاثرة ساهمت بطرد جماهير كانت تؤيدها في البداية، فمما لا شك فيه أن النازحين في لبنان هم من مناطق احتضنت الثورة ودمرها بشار الأسد بحربه على السوريين، ولكن أخطاء الجيش الحر وأبناء الثورة نفسها واستخفافهم بجماهيرهم وحواضنهم الاجتماعية جعلهم ينفرون من الثورة، بل ويحمّلون الجيش الحر مسؤولية الدمار الحاصل في بلادهم.

على مستوى الخطاب الإعلامي نجد أن الخطاب الطائفي في قوى الثورة أقوى مما هو عليه عند قوى النظام، في حين نجد أن السلوك الطائفي عند النظام هو أقوى مما هو عليه عند قوى الثورة، وهذا ما ساهم بإبعاد قوى وشرائح كبيرة من الشعب السوري عن الثورة، وجعلها تصدق بروباغاندا النظام السوري الذي يدعي حماية الأقليات في سوريا.

ما هو جديد هذه المرة أن الخطاب الطائفي الذي استغلته هذه القوى وعملت على تعزيزه ومحاربة أي خطاب وطني جامع في الثورة، انقلب على أصحابه، وإذا بهم بدؤوا يخسرون الشعب «السني» في سوريا الذي كانوا يدعون تمثيله.

ما زال للنظام إلى الآن، برغم طائفيته المقيتة المحفزة لكل الطائفيات في سوريا، ظهير سني قوي، بل ويصر النظام على وجوده دائمًا، بينما تعمل قوى هيمنت على الثورة على طرد أي «مسلم» لا ينتمي لأفكارها، عدا عن خطاب إعلامي تحريضي ضد غير المسلمين ساهم بإبعادهم وزيادة مخاوفهم الموجودة أصلًا.

صراع الحرية في سوريا طويل، ومعبد بالدماء والأشلاء والعذابات، وما حدث ويحدث يحتم على قوى الثورة أن تعيد النظر في سياساتها وخطاباتها. وحده الخطاب الوطني الجامع والبعيد عن الأيديولوجيات والمطالب الفئوية هو ما يمكن أن يعيد للثورة ألقها وشعبيتها.

هذا ليس خطابًا رومانسيًا نتغنى به بجمال سوريا وفسيفسائها الجميل، وهو كذلك ليس دعوة نوجهها للخارج مضطرين لسلاح نوعي نقلب به الموازين المضطربة لصالح النظام، إنما هو حاجة وجودية للثورة ولبقائها حتى انتصارها بإذن الله.

تابعنا على تويتر


Top