زواج دون سياج .. فشل اجتماعي تفرضه ظروف النزوح

-دون-سياج-معاوية-2.jpg

عنب بلدي ــ العدد 120 ـ الأحد 8/6/2014

زواج دون سياج- معاوية (2)أسامة عبد الرحيم – عنب بلدي

 

لم يمض على زواج ياسمين عدة أيام، لتعود هائمةً على وجهها إلى بيت أهلها المقيمين في غرفة واحدة على الهيكل في إحدى قرى ريف دمشق الغربي، بعد أن شردهم القصف العنيف الذي طال مدينتهم الآمنة مدمرًا منزلهم الصغير.

 

ياسمين فتاة تبلغ من العمر سبعة عشر ربيعًا، حصلت على شهادة التعليم الأساسي من مدينتها، ولطالما حلمت أن تصبح مدرّسة لمادة التاريخ «الذي شوهه الاستعمار وأكمل مسيرة التشويه هذه استبداد متمثل بالأنظمة الحاكمة» حسب وصفها. تنتمي ياسمين لعائلة بسيطة مكونة من أب عاطل عن العمل وأم وثلاثة أطفال، أنهكتهم الظروف المعيشية وأثقلتهم المعاناة اليومية، نظرًا لمرور عامين على نزوحهم دون أي دخل أو مردود مادي، الأمر الذي دفع والداها إلى تزويجها لأول شخص يطرق باب غرفتهم المتهاوية للتخلص من أي تكاليف إضافية، وليرفع عنه هم ابنته الوحيدة.

 

تروي ياسمين قصة زواجها محملة ًوالديها مسؤولية «بيعها في سوق النخاسة» كما تقول، إذ بدأت بسرد الحديث من لحظة خطبتها، التي لم يكن لها فيها رأي أو مشورة، وتقول: تقدم إسماعيل الذي يكبرني بخمسة عشر عامًا بطلب يدي من أبي وفق التقليد المتعارف عليه في المنطقة، والذي بدوره أعطاه الموافقة مباشرة دون الرجوع إليّ أو حتى استشارتي، نظرًا لوضع إسماعيل المادي الجيد أولًا، ولأنه من أهالي المنطقة التي نقيم فيها ثانيًا.

 

تم عقد القران، الذي لم تطل مدته، بواسطة أحد مشايخ المنطقة، إذ امتدت فترة الخطبة حوالي الشهر ليتم بعدها تحديد يوم الزفاف بسرعة. لم تكن ياسمين تعلم شيئًا عن زوجها المستقبلي، فكل ما هنالك أن والدها أقنعها بأنها ستكون سعيدة في بيت زوجها، وأن منزلًا جميلًا ستعيش فيه بدل هذه الغرفة المقيتة.

 

كانت ياسمين سعيدة في البداية، حالها حال الكثيرات من بنات جيلها عند زفافهن، حيث حلم الانتقال إلى الحياة الزوجية المكللة بالسعادة والرومانسية، ولكن هذا الحلم لم يدم طويلًا، فقد بدأت المشكلة في ليلة الزفاف، عندما قام الزوج إسماعيل بضرب عروسته والاعتداء عليها بوحشية بدون سبب يذكر، بدل أن يستقبلها استقبال العرائس ويسمعها أطيب الكلمات.

 

لم تدر ياسمين ما حصل، ولم تدرك التغير المفاجئ الذي أصبحت فيه العصا زينة العش الزوجي ومرافقة للزوج أينما حل، ليقوم بضربها باستمرار والصراخ عليها وإسماعها الكلمات النابية، مرجعة سبب ذلك إلى استغلال ضعفها وضعف أبيها كونهم مهجرين ولا يملكون شيئًا، لاسيما وأنه عيرها بأن أهلها وافقوا على تزويجها للتخلص من همها، كما تقول، الأمر الذي لم تستطع ياسمين تحمله وإخفاءه عن أهلها، الذين حاولوا في البداية دفعها للصبر ومسايرة الزوج، ليصل الأمر إلى مرحلة عدم الاحتمال وتعرض ياسمين لصدمة نفسية دفعتها للهروب من منزل زوجها. الزوج بدوره لم يسع لطلب ياسمين أو السؤال عنها، بل هددها بالطلاق والسفر ومغادرة البلاد تاركًا إياها دون أي حقوق أو واجبات نحوها.

 

قصة ياسمين ليست إلا واحدة من تلك القصص التي تحصل كل يوم في مناطق النزوح، فهناك المئات من النساء اللاتي بتن ضحايا الظروف الأمنية والاجتماعية، واللاتي يدفعن ثمن غياب الوازع الديني والأخلاقي والقانوني في المجتمع السوري، ذلك الغياب الذي سوّل للكثيرين استغلال حاجات النازحين المادية وإحساسهم بالضعف الاجتماعي.

 

ولابد من الإشارة هنا إلى أن الكثير من حالات الزواج في أوساط النازحين تتم دون تثبيت قانوني أو إعطاء ضمانات، وقد بلغت حالات الزواج في المنطقة، التي بلغ عدد النازحين إليها من مناطق ريف دمشق المختلفة حوالي 2000 عائلة والتي فضلت ياسمين عدم ذكرها، حوالي 50 حالة خلال فترة ثلاثة شهور، وكانت معظم الحالات في الفئة العمرية التي تتراوح بين 17 و 23 سنة بالنسبة للشباب، تم عقد أكثرها على طريقة كتاب الشيخ (الكتاب البراني)، بعد فترات خطبة سريعة، لم تتح لكلا الطرفين (الشاب والفتاة) اختبار الشريك والتحقق من أخلاقه وسلوكه، الأمر الذي يؤدي في أغلب الحالات إلى ظلم الفتاة وتعريضها للظلم والاستغلال، ما يؤدي بالنتيجة إلى حرمانها من أدنى حقوقها المادية والمعنوية.

 

 

تابعنا على تويتر


Top