قابلية الاستعمار

محمد رشدي شربجي

في داخل مسجد كبير من مساجد دمشق، اصطفت العمامات واللفات لتؤدي فروض الطاعة لبشار الأسد بعد كل ما فعل في سوريا وشعبها. ليس بعيدًا عنه، وفي مسجد كبير كذلك، اصطفت الحجابات البيضاء والزرقاء والسوداء لتحشد الدعم لبشار الأسد راعي العلمانية والإسلام والفن والدين وكل شيء حتى الغنم أمثالهم.

بعيدا عن كل هؤلاء، وفي بلد آخر، نجد صوفيي مصر وأزهرييها وسلفييها اصطفوا جميعًا خلف السيسي ليدعموه في حربه على «الإرهاب» والتي لا تعني إلا مزيدًا من المجازر والإبادات الجماعية.

ليس منطقيًا أن نفسر كل هذه الأفعال والسلوكيات بكونها أفعال نفاق أو تهديد ووعيد تمارسها سلطة الاستبداد بحق رجال الدين، قد يفسر هذا جزءًا من الواقع ولكنه لا يفسره جميعًا.

هذه التبريرات في مجملها يطلقها أتباع المشايخ أكثر من المشايخ أنفسهم، وهم يطلقونها في سبيل التبرير وكآلية دفاع ذاتي ينتهجها البعض ليريح نفسه عناء الخروج عن المسلمات والمقدسات الشائعة.

أعتقد جازمًا أنه لا النفاق ولا الخوف هو السبب الرئيسي لموقف المشايخ هذا، وإنما هم يتحدثون بما يعتقدون، وزيادة في الإيضاح فإنهم يعملون وفقًا للأصول التي ما زالوا يدرسونها ويدرسونها لغيرهم.

تشابه مواقف هذه التيارات تجاه سلطة الاستبداد برغم الخلافات الظاهرية بينها، والتي شغلت فيها الفضاء العام في العالم العربي والإسلامي بسخافاته، يؤكد أن المشكلة عابرة للتيارات الفكرية وهي عميقة كامنة هناك في المشترك الثقافي بين كل هذه التيارات. الحاكم المتغلب الذي يعتقد أغلبية علماء الأمة بشرعية إمامته، بل وذهب الإمام أحمد بن حنبل لتكفير من لا يبايع الحاكم المتغلب، والأحاديث الكثيرة التي تساق في معرض الحديث عن قبول الحاكم الظالم (ما أقام فيكم الصلاة) وأحاديث «الفتنة النائمة» وغيرها كثير من الأحاديث التي تراكمت في الوعي الديني السني ما كانت لتنتج آثارًا غير ما نرى.

الأزمة عميقة جدًا في الفكر الإسلامي، تعود إلى اللحظة التي تحول فيها الإسلام من كونه مهيمنًا على الدولة ليصبح مؤسسة من مؤسسات الدولة التي كانت سمتها الاستبداد –للأسف- منذ انتهى عهد الراشدين، تلك اللحظة التي اشتعل فيها التاريخ الإسلامي وعمت الصراعات أرجاء الدولة الإسلامية.

العقل الفقهي السلفي (ونعني هنا بالسلفي الاعتماد على السلف وإراحة العقل وفي ذلك يتشابه الصوفي مع السلفي مع اختلاف سلف كل منهما) تشكل نتيجة تراكم تاريخي لتدخل السلطة السياسية المستبدة في الدين، أو بشكل أدق نتيجة تدخل السلطة السياسية في صياغة فهم الدين.

لم يعد كافيًا أن نتهم المشايخ بالنفاق ولا أن نقول ببساطة وتسطيح شديد أن هؤلاء لا يمثلون الإسلام، علينا أن نبحث عن مكمن الخلل في تاريخنا، فكما قال مالك بن نبي يومًا إن الاستعمار لا يمكن أن يوجد في بلد ما لم يكن عند شعبه قابلية للاستعمار، كذلك الأمر فإن النفاق هذا والمداهنة مع الظلم والظلام ما كانت لتحدث لو لم تكن هناك قابلية لذلك.

تابعنا على تويتر


Top