«الإرث التاريخي» لسوريا، ما بين النهب والتخريب 2 … قصف النظام، المدان الأول، ونزوح الأهالي والحفر والتنقيب العشوائي أدى إلى خراب معظم البنية الأثرية

site_1348_0002-500-333-20110704160339.jpg

لمى الديراني

متابعة لتقرير سابق نشرته جريدة عنب بلدي في العدد 119 عن التخريب المتعمد للبنية الأثرية في سوريا عن طريق القصف بطائرات النظام أو نتيجة الاشتباكات الدائرة أو نتيجة عمليات التنقيب الممنهجة وتهريب الآثار خارج البلاد، والذي ركز على آثار مدينة حلب ودير الزور، نسلط الضوء في هذا التقرير على الآثار التي تم تخريبها وتهريبها خارج البلاد في كل من درعا وإدلب، إضافة إلى الآثار التي تم نسفها على يد تنظيم دولة العراق والشام شمال سوريا.

  • مهد الثورة، الدمار الأكبر نتيجة القصف المتكرر

تعرضت محافظة درعا (جنوب سوريا)، والتي كانت من أوائل المدن الثائرة على النظام، لقصف همجي من قوات الأسد أدى إلى تدمير بنيتها الأثرية، وهي التي تحوي العديد من الآثار التي تعود إلى العصر البرونزي. ويقول الناشط رامي الحسين من مدينة درعا: «تعرضت المواقع الأثرية للقصف الشديد منها المسجد العمري الذي بني في عهد الخليفة الراشدي عمر بن الخطاب واستهدفته قوات النظام حتى ألحقت به دمارًا كاملًا، وقد ظهر مقطع على موقع يوتيوب لسقوط مئذنته». كما تعرضت المدينة القديمة في بصرى الشام وتل الأشعري لتخريب كبير نتيجة القصف الذي طالها، ناهيك عن تجريف المدينة الرومانية في نوى.

  • ازدياد نشاط أعمال التنقيب العشوائية ما بعد 2011

وبعد ازدياد الأوضاع الأمنية سوءًا، ازدادت عمليات الحفر والتنقيب عن اللقى الأثرية في درعا، والتي تتم على يد بعض أهالي المنطقة الذين تابعوا أعمال الحفر السرية وتهريب الآثار عبر الأردن. يقول ناشط من المدينة: «عملية التنقيب العشوائية والتهريب تتم منذ ما قبل تدهور الوضع الأمني، إلا أنها اليوم باتت على المكشوف، والانتهازيون يتحينون الفرص للاستمرار في عمليات الحفر والتنقيب التي تهدد تاريخ المنطقة، فأعمال الحفر أضرت كثيرًا بالبنية الأثرية للمدن القديمة».

  • لا جهود حالية لحماية الآثار

ويتابع الحسين: «لا توجد إلى الآن أي مخططات للمدن الأثرية الموجودة بمنطقة حوران في منطقة آمنة، لأن متل هذه المخططات لازالت في مديرية الآثار والمتاحف ولا أحد يعلم عنها شيئًا، سواء كانت في مكان آمن أم تم إتلافها، لأن المنطقة التي تقع فيها مديرية الآثار تحت سيطرة النظام… هناك بعض الأشخاص المحافظين على الآثار والعمق الحضاري عبر مر العصور لهذه المنطقة ولكنهم قليلون جدًا وليس باستطاعتهم فعل أي شيء تجاهها».

  • الكنوز الدفينة لا تزال محط الأنظار

يتم العثور على قطع أثرية كثيرة في محافظة درعا ويتم نقلها للمتحف، وفي بداية الحرب، قام النظام بنقلها إلى مكان مجهول، بينما بقيت الآثار في باطن الأرض محط أنظار الجميع، وقد تم استخراج بعضها في المنطقة الغربية من درعا والمنطقة الجنوبية بجانب قرية نصيب الحدودية المحاذية للحدود الأردنية، وهي نهاية سكة الحجاز، وتم بيعها لتجار وتهريب معظمها إلى «إسرائيل»، بحسب ناشط مطلع رفض التصريح باسمه، إذ لا يوجد رقيب وقوة السلاح هي التي تسيطر على الأرض، وسماسرة الآثار لديهم خبراءهم ومنقبيهم وتجارهم ومهربيهم حتى قبل الأحداث السورية الأخيرة، كما لم يتم استعادة أي من القطع التي تم استخراجها وبيعها وتهريبها خارج سوريا.

  • آثار إدلب المدرجة على لائحة التراث العالمي مهددة بالزوال

تحوي محافظة إدلب شمال شرق سوريا العديد من الآثار المدرجة على لائحة التراث العالمي، أهمها تجمع «شنشراح» في جبل الزاوية وباريشا. ويعتبر موقع شنشراح واحد من خمسة تجمعات لمواقع أثرية تضم نحو 40 قرية من العصرين الروماني والبيزنطي بنيت بين القرنين الأول والسابع بعد الميلاد، وهي مسجلة في لائحة “اليونيسكو” للتراث العالمي وتصنفها المنظمة حاليًا ضمن المواقع المعرضة للخطر، ويحوي هذا التجمع الأثري على خمس كنائس وعدد من القصور ومئة منزل أثري، إضافة إلى ثماني قرى أثرية أخرى تقع على طول الطريق بين قرية البارة ومدينة كفرنبل. وتعرضت لقصف قوات النظام ما أدى إلى تهدم وفقدان جزء منها.

  • نزوح الأهالي يهدد البنية الأثرية

اضطر معظم أهالي الريف الجنوبي في محافظة إدلب للجوء إلى المناطق الأثرية، إذ استقبلت منطقة شنشراح أكثر من 100 عائلة نزحت من أماكن مختلفة من ريف إدلب الجنوبي بسبب الحرب، مما عرضه للتخريب بحسب تقرير ذكرته صحيفة «المنطرة» المحلية الصادرة من كفرنبل، حيث قامت العائلات التي نزحت إلى الموقع بتكسير الحجارة الضخمة التي بنيت البيوت الأثرية منها بهدف تحويلها إلى حجارة صغيرة يتم بيعها أو استعمالها لبناء أكواخ صغيرة بجوار أحد القصور الأثرية.

  • عمليات تنقيب فردية والقطع ترسل إلى تركيا بانتظار «أفضل سعر»

ويقول ناشط من إدلب، فضل عدم ذكر اسمه، إن عملية التنقيب عن الآثار تتم بشكل فردي وغير منظم على أيدي أهالي المنطقة، وعندما يجدون أي قطعة أثرية تذهب مباشرة إلى تركيا للبحث عمن يشتريها. وفي بعض المناطق مثل قرية البارة، يقوم عناصر من اللجنة «الأمنية» التابعة للمجلس المحلي بالتنقيب عن الآثار وتهريبها خارج البلاد، الأمور تتم دون رقيب أو محاسبة وبسطوة السلاح.

  • محاولات مديرية الآثار والمتاحف للحفاظ على الآثار، دون جدوى

يحاول موظفون تابعون لمديرية الآثار في ريف إدلب توعية النازحين للتوقف عن تخريب المناطق الأثرية وإيقاف عمليات التنقيب العشوائية لكن دون جدوى، فلا قوانين تسود ولا بدائل للنازحين الذين أجبروا على ترك قراهم وبيوتهم ولجؤوا إلى المناطق الأثرية بحثًا عن مأوى رغم افتقارها لأدنى مقومات الحياة، ورغم انتشار الحشرات السامة في تلك المواقع إلا أنها كانت الحل الوحيد أمامهم في ظل «تخاذل» المعارضة في بناء مخيمات تتسع لهم وتلبي احتياجاتهم، كما يقول الناشط.

  • «تنظيم دولة العراق والشام» يفجر عددًا من المواقع الأثرية

من جهة أخرى قام تنظيم دولة العراق والشام بتحطيم عدد من الآثار والمساجد الأثرية في الرقة وريف الحسكة (الشدادي)، كما شارك أفراد التنظيم في عمليات تنقيب الآثار في المواقع الأثرية في دير الزور (حلبية وزلبية) وسرقتها وتهريبها. وفي الرقة، قام التنظيم بتحطيم تمثال هارون الرشيد في ساحة الرشيد وتهديم أسدين آشوريين مع التمثال، كما قاموا بتفخيخ مقام أويس القرني وعمار بن ياسر.

  • غياب الجهود العالمية وضياع للهوية السورية

وفي ظل انعدام الأمن وانتشار السلاح، يستمر استنزاف البنية الأثرية في سوريا من جنوبها إلى شمالها، وتباع القطع الأثرية المهربة في الأسواق السوداء من الأردن جنوبًا إلى تركيا شمالًا مرورًا بلبنان والعراق. ورغم المحاولات الخجولة التي تم من خلالها استعادة بعض القطع المسروقة في مطار بيروت وعلى الحدود مع تركيا، إلا أن أي جهود سورية للحفاظ على الإرث التاريخي للمنطقة لن تفلح دون مشاركة عالمية في عملية حفظ وأرشفة الآثار بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) لإضفاء الشرعية على عمليات حفظ الآثار وإمداد المبادرات الفردية بالوسائل والأدوات العلمية لمتابعة عملها في ظل استمرار القصف الممنهج للنظام، الذي يصر على مسح الخارطة السورية وإخفاء معالمها الأثرية وتغيير تركيبتها الديموغرافية.

تابعنا على تويتر


Top