الحصار، نجاح السياسة واستنزاف العسكرة

20140614_46661.jpg

 عنب بلدي ــ العدد 122 ـ الأحد 22/6/2014

20140614_46661هادي هادي

المصالحات والهدن أكثر ما يتكلم به الناس في مناطق الحصار، خصوصًا بعد سلسلة تصعيدية انتهت بحصار شامل للممرات الواصلة بين غوطة دمشق والمدن المتصلة بها، وقد وصفه مراقبون بأنه أقسى حصار حصل في التاريخ الحديث، يستهدف أكثر من مليون ونصف شخص مانعًا وصول المواد الغذائية والحيوية.

في الداخل حديث آخر أشد يستهدف الهيئات الناظمة للحياة، بل يصل باتهاماته لجناح الجهاد العسكري في الداخل، ولأن الموضوع هام جدًا كونه يتصل بمصير هذه الثورة، أحببت تسليط الضوء على مبدأين قديمين يتصلان بأساس الحكم ويقيمان المرحلة، ولأن تصرفات الهيئات في الداخل مبنية على أحداث تاريخية هامة سأضطر للبحث في التاريخ قليلًا، فاليوم يختلف عن أمس، ففي ذاك الزمن كانت صحراء وجلافة، ولم يكن الغذاء هو الشغل الشاغل، بل كان للطعام آدابه القاسية، تحكمه سلسلة من الأخلاق تتوافق مع الفطرة حينًا ومع الجلافة الصحراوية وقيمها أحيانًا، فالطعام للكفاية وليس للشبع، وأول بدعة سيئة ظهرت بعد وفاة الرسول (ص) هي الشبع فقد كان ثمة خلق «الأكل في الطريق»، ويمكن أن يؤدي ذلك إلى الطعن بالشخص وعدالته أيضًا، ويمكن أن يفقد علية القوم مراكزهم الاجتماعية فيما لو بخلوا على الفقراء ولم يتحلوا بالكرم والعطاء، حتى إن سؤال الحاجة لدى الفقراء تحكمه تلك السلسلة الأخلاقية المعقدة التي تحافظ على شرف ونخوة ومروءة الفقير، فإما يحتالون بالسؤال عبر تغطية لفظية أدبية بلاغية وإما بالطلب، ولكن الطلب من الكبار الوجاهات، وإما يتلثمون خلف حجاب الحياء.. هذه المعطيات وغيرها أدت بأن لا يعتمد محمد (ص) على برامج غذاء أو أدوات تحقق الكفاية للداخلين طوعًا في الدين الإسلامي طيلة 13 سنة، أي لم يكن السلاح الذي أبعد الصحابة عن الانقلاب على الشريعة هو تأمين الغذاء، بل كان السلاح والآلية من جنس طبيعة الصحراء وسلسلة الأخلاق، كان الإعلاء من شأن الصبر سلاحًا فتاكًا في وجه التعنت القرشي، وكان الوعد الحق في الجنة ودرجاتها ونعيمها هو الأداة التي صدقها أولئك الصحابة واعتنقوها اعتناق الرضيع للثدي، ليس كرهًا بل طوعًا، ولكن هذا الاعتناق لم يبدر عن فراغ، إذ كان قبله وحي قرآني يخاطب ببلاغته شأنًا عظيمًا طالما أحبوه، طالما عشقوه، طالما وعوه، هو اللغة العربية والبلاغة العربية التي حركت جيوشًا بكلام خطبائها.

لم يكن قوم في العالم أحبوا لغتهم وأنصتوا لها كما فعل أولئك، لقد ألهمت تلك الكلمات بكيميائها سماحة وعفوًا نتيجة توأمة بين المكارم والعمل بلا تأخر لنداءاتها، وقد أدت تلك الأدوات وظيفتها في إقناع أولئك بالصبر والتحمل ثم النجاح في النهاية، أقصد سقوط ورقة الحصار القرشي أمام حكمة ووحي النبي محمد (ص). فلماذا يا ترى لم ينجح حصار اليوم، وما السبب الذي يجعلنا نقبل الهدن ونرضى المصالحات رغمًا عن رادع الأخلاق الذي كان يجب أن يصمد. المسألة ببساطة هي اختلاف معطيات هذا الزمن، والأمر الآخر استخدام الأداة النبوية نفسها لحل معضلة تختلف في معطياتها عن معطيات حصار قريش.

لم يكن الغذاء ضمن برامج سياسية كما يحدث اليوم، اليوم اختلف التعاطي وفلسفة الحكم تغيرت، ببساطة بني البشر اليوم على نوع من الأنظمة المعقدة تعتمد على أفرع من الأعمال تدخل في خدمة الإنسان وتأمين حقوقه، فالقرار العسكري مثلًا سيدخل في تعقيدات جمة أهمها عدم خسارته للحاضنة الشعبية فلا تستطيع في الأنظمة الحالية السيطرة على الهدوء دون تأمين الغذاء والسكن والراحة بل حتى الشبع وإلا ستواجه بالسقوط أمام أنظمة استغلت تلك الفجوة بقرار منك غير مدروس، ولأن أسقطنا هذا الكلام على الحدث سنجد أن استخدام الأدوات النبوية عن تلك المرحلة صحيحة ولكن المعطيات لم تقرأ جيدًا لسبب أن الناس لم تهيأ لتحمل المجاعة بل إن الناس اعتادت ثقافة الشبع من غير تعب، إضافة لكون الثورة عبارة عن انفجار غير منظم، وهذا يعني أن الأمور لا تدار إلا بميزان الخطط والتنظيم والتخطيط الذي يبنى على معطيات ويخضع لتقييمات مرحلية تبعد الحكم عن الزلل. ففي هذه المرحلة لم نجد إلا الذراع العسكرية العاملة التي لم يرهق عملها سوى تذمر الحاضنة الشعبية، كون تلك التشكيلات قدمت عملًا أسطوريًا ولكنها نسيت شمل الشعب (الحاضنة) بسلسلة من التخطيطات تشمل هؤلاء بالرعاية أهمها القرار العسكري، الذي له حساباته المدنية في الداخل، بالإضافة إلى أن الذراع السياسية كانت غائبة تمامًا في هذه المرحلة، ففي حين أن الحقيقة تقول «يجب أن تكون الورقة العسكرية ضمن جيب العملية السياسية» إلا أن الواقع كان عكس ذلك تمامًا.

 

تابعنا على تويتر


Top