وظيفة الدولة.. خيانة أم حاجة ملحة للمجتمع

723d68638c7d4369cda26b08fdc8d9a03091674.jpg

عنب بلدي ــ العدد 123 ـ الأحد 29/6/2014

وظيفة الدولةسما الابراهيم – حمص

قرأت في عددكم رقم 119 والصادر بتاريخ 1/6/2014، مقالًا للكاتبة أماني رياض، بعنوان: الموظف المعارض: لا بديل عن حكومة النظام.

وباعتباري معارضة وموظفة في إحدى دوائر الدولة، وددت المشاركة بالتعقيب التالي على المقال: ما الذي يدفع معارض/ة بعد تخرجه/ا للسعي لوظيفة الدولة؟

عند التحليل يمكننا ذكر النقاط التالية:

في السابق كان آباؤنا العصاميون والجامعيون الذين يهدفون للاستقرار مضطرون لإيحاد مصدر رزق، فليس كل الخريجين قادرين على فتح مكاتب مثلًا أو إيجاد عمل خاص أو السفر، فلجؤوا للعمل في قطاع الدولة رغم سمعته السيئة وغرقه في الفساد والمحسوبيات، وكانت هذه الوظيفة باب انتفعت منه آلاف العائلات، فالأم موظفة والأب موظف وبعد فترة من الزمن يمكن لوضع الأسرة المادي أن يستقر وتنعم بمنزل أو سيارة.

وإذا سألنا أحد الموظفين الحديثين اليوم عن سبب توظفه فسيجيبك بأنه لا يوجد عمل خاص حاليًا بسبب ظروف البلد الصعبة، وحتى القطاع الخاص أغلبه تابع ضمنيًا للدولة ولفسادها، فإذا لم يكن للمسؤول حصة من مشروع خاص لا يقدم التراخيص لصاحب العمل. وإذا أراد الشاب أو الفتاة البقاء في البلد فهذا يعني أنه سيعيش عالة على مجتمعه بالرغم من وجود شهادة جامعية بين يديه تخوله للعمل في وظيفة الدولة، ويجد المهندس –مثلًا- الوظيفة جاهزة بعد التخرج فهل يترك البلد ويسافر أم يبقى ويعيش عالة على والديه، وخاصة بعد أن خسرت معظم العوائل رزقها و «تحويشة» العمر.

نعلم أن الشعب يدفع ضرائب وفواتير للدولة، وأن الرواتب التي يتقاضاها الموظف ليست من جيب مسؤول كبير أو من خزينة بيت رئيس الجمهورية، بل هذه الرواتب يدفعها الشعب نفسه، فمن أحق بهذا المدخول؟ المؤيد أم المعارض؟ لماذا نظن أن موظف الدول في خدمة الدولة وليس في خدمة الشعب المستمر في الحياة ضمن هذه الأرض؟

والنقطة الأهم هي وجود أشخاص معارضين ذوو فكر تحرري في دوائر الحكومة يقومون بتحقيق التوازن مع أولئك المؤيدين، هو ما سيشكل فرصة لتمرير بعض الأفكار العميقة التي تثبت للطرف الآخر أن الوطنية ليست بالنزول في مسيرات مؤيدة والهتاف «لقائد الوطن»، وإنما هي بالحفاظ على المال العام ومحاربة الفساد والرشوة. فيمكن الحديث –مثلًا- عن مشاكل سببها وجود عصابات نهب وسرقة تسرق من مكان وتبيع في مكان آخر (كلنا نعرف أين)، وهذا الحديث موجود دومًا على مكاتب الوظيفة، يكرر ويعاد يوميًا في صباحات موظفي الدولة.

بنظري تساهم وظيفة الدولة في الحفاظ على عنصر التوازن في المجتمع، وهو ما يجب أخذه بعين الاعتبار وعدم الاستهانة به، ففيه تواجه كل ما يمكنك مواجهته من صعوبات اجتماعية وفكرية وعلمية وعملية.

ولكن يبقى السؤال، هل أنا خائن لأنني آخذ راتبًا من عمل أقوم فيه بخدمة المجتمع السوري أولًا ويعوضني عن فكرة السفر، واستخدمه لتمرير رسائل هامة بطريقة آمنة لي ولمن هم مثلي، أم نكتفي بالانعزال عن الطرف الآخر وترك كل شيء في البلد له، يشكله كما يريد ويستخدمه لصالحه في سبيل هدم ما تبقى من البلد.

دار منذ فترة حديث مع أحد المتقاعدين أكد بأن وضع وظيفة الدولة لم يكن بهذا السوء، ولكن بعد أن أصبح ابن البلد الشريف يترك العمل فيها بسبب ما يراه من فساد أو لأنها أقل من مستواه ويستسلم للهجرة، أصبحت وظيفة الدولة بؤرة للشرور والسرقات من خيرات البلد، وساهمنا نحن في ترك الساحة لهم ودون أي رقيب، وعلينا أن نعلم جيدًا أنه لا يصح إلا الصحيح ومهما حاولوا التغاضي عن حقيقة أنهم أصل الفساد والسرقة فوجود الشريف بينهم سينغص عليهم خططهم بشكل أو بآخر حتى لو لم تقم بفضحهم، مجرد كلامك عن مبادئ الحياة أمامهم ستشعرهم بالنقص، ولا يجب إغفال الجانب النفسي للمرتشي فهو يعرف الخطأ ولكنه اختاره.

ولا تظنوا بان الاستهانة بعمل مؤسسات الدولة سيجلب على البلد النفع، فإذا لم تتطور مؤسسات الدولة سيسوء الوضع الاجتماعي أكثر وأكثر وتصبح خدمات الحياة أكثر سوءًا، وهذا الذي اتضح، فالبلد لم تكن بهذا السوء من قبل، ولكنها أصبحت كذلك لأننا سلمنا الدفة لمن هو غير كفء. ومن هذا المنطلق أبرر لنفسي ولكل معارض موظف في الدولة تمسكه بهذه الوظيفة، وألوم كل موظف معارض لا يستخدم مكانه لخدمة البلد ويتغاضى عن الأخطاء وينزوي بنفسه دون تقديم أي مجهود للنهوض بالبلد لمكان أفضل.

تابعنا على تويتر


Top