مشاكل اجتماعية وعائلية أنتجها السكن الجماعي

النزوح بين «سلطة الحموات» و «تمرد الكنات»

no5_15209_6872.jpg

جودي سلام – بيروت

أنتج نزوح العائلات السورية بشكل جماعي عن بيوتهم، حرمان هذه العائلات من الاستقلالية والسكن المنفرد، ما أسفر بدوره عن كسر لبعض العادات والتقاليد، إضافة لنشوء مشاكل اجتماعية كانت ظروف الاستقرار والاستقلالية قبل النزوح قد ساهمت في تلافيها، لكنها بدأت تعود إلى الواجهة مؤخرًا؛ وأبرزها الخلاف بين الكنة وحماتها الذي أثر سلبًا بشكل لافت على بعض العلاقات الزوجية، حيث تستعرض عنب بلدي من خلال لقائها ببعض العائلات بعضًا من الحالات لخلافات سببها النزوح والسكن المشترك.

  • «تدخل الحموات»

في لبنان الذي يستقبل أكثر من مليون لاجئ، تضطر العائلات إلى استئجار منازل مشتركة لضيق الحالة المادية. تقول رنيم، التي تعيش مع حماتها وسلفتها في بيت واحد، «لا تكف حماتي عن الطلبات طوال النهار وكأننا عبيد عندها، وإن امتنعنا عن الاستجابة لأوامرها تبدأ بالحديث بالسوء علينا لأزواجنا». أما عبير، التي اعتقل زوجها منذ أكثر من سنتين، فتعيش في مصر مع أولادها وعائلة حماها، وتشير إلى خلافات حول طريقة تربية الأولاد «حماتي تقوم بفرض طرق لتربية أطفالي وتصفني بالكلام السيء أمامهم؛ ألا يكفيني ما أعانيه من غياب زوجي”.

لكن عائشة، التي تعيش مع حماتها في نفس المنزل أيضًان تقول “أجبرتنا الظروف على ذلك، ويجب على الجانبين تفهم بعضهما أو تجاهل الخلافات، تجنبًا لكثير من المشاكل”، مسندةً معظم الخلافات إلى «عدم استيعاب الكنة أو الحماة، للفارق الكبير بين الحياة المريحة قبل النزوح والظروف المتردية التي تحيط بالعائلة في ظله»، إلا أنها لم تخفِ شيئًا من انزعاجها «لانتهاك الخصوصية الزوجية» التي كانت تتمتع بها في منزلها الخاص بسوريا.

  • و «تمرد الكنات»

لكن بعض الحموات ينظرن إلى المسألة من جانب آخر تمامًا، إذ تحدثنا الحاجة أم محمد عن زوجة ابنها التي تعيش معها في الأردن «تستيقظ زوجة ابني الساعة 1 ظهرًا غير مبالية بأعباء المنزل وبمتطلبات زوجها؛ لا أعلم كيف كان ابني يحتمل هذا الإهمال».

أما حماة عبير التي تعيش في مصر فترد عليها «لا تكف زوجة ابني عن الطلبات، ولا تدرك أننا فقدنا كل شيء ويجب أن نكون اقتصاديين حتى نستطيع الاستمرار، ثم تصرف كل ما يصل ليدها وتطلب المزيد»، وحول تدخلها في طريقة تربية أولاد عبير تقول الحماة «زوجة ابني تسمعنا كلامًا قاسيًا بأنها تتحمل أعباء تربية أولادها في ظل غياب زوجها… كأنه يجب أن نركع لها لأن زوجها معتقل».

بينما تعتبر أم حسن التي تسكن مع ابنها وزوجته “العرسان” في منزل صغير في منطقة المجدل في لبنان «سعادة ابني وزوجه تمنحني السعادة»، وتضيف «ربيته متمنية له السعادة طول عمري… لن أضيّق عليه وهو يعاني من مشكلات كبيرة مثل تأمين أجرة المنزل والمصروف».

ولدى استطلاع عنب بلدي لبعض حالات الخلاف في منطقة البقاع اللبناني، تبين في أغلبها أن الحموات اللاتي تكثر مشاكلهن مع زوجات أبنائهن، يعتبرن «ضعف شخصية» أولادهن سببًا في «تمرد الزوجات»، لذلك تبدأ الحماة بتقديم «النصائح» لأبنائهن وزوجاتهن والتدخل في طريقة حياتهم، في سبيل «إصلاحها».

  • «اتركونا نعيش»

الشاب أحمد لديه طفلين ويعيش مع زوجته وأمه في منزل واحد، ولا تكف الاثنتان من الحديث على بعضهما أمامه يقول «ألا يكفينا هم النزوح وتأمين لقمة العيش… فوق كل هذا لا نكف طوال النهار من قالت لي وقالت لك، أصبحت أكره القدوم إلى المنزل من كثرة الشجار».

أما محمد، الذي يعيش مع زوجته وأمه وأخيه المتزوج في نفس المنزل، فيرجع السبب في خلاف زوجته مع أمه إلى اهتمام أمه بأولاد أخيه أكثر من أولاده، «وهذا ما يثير جنون زوجتي وغيرتها، لتطلب مني مرارًا أن نرحل من هذا المنزل ونعيش في منزل لوحدنا»، لكنه يردف «أنا غير قادر في هذه الظروف أن أستقل بالمسكن وتحمل أعبائه المادية لوحدي، لكن زوجتي باتت تهددني بالطلاق إن لم أحقق ما تريد».

  • طلاق وخراب بيوت

الشيخ أبو محمد، أحد علماء الدين اللبنانيين في منطقة البقاع، يعمل في مجال إغاثة اللاجئين السوريين، يقول إنه تحول من العمل الإغاثي إلى الإصلاح الاجتماعي، مشيرًا إلى أن «الكثير من الشباب السوريين يأتون إلي وقد خرجت من فمهم كلمة طلاق على زوجاتهم في حالة غضب»، ويريدون من الشيخ «فتوى لإعادة الزوجة».

بدوره عزا الشيخ أغلب الحالات إلى «مشاكل بين الزوجات والأمهات أنتجه تشارك الأُسر في مسكن واحد»، مضيفًا «كثيرٌ من الزوجات تركن بيوت أزواجهن وذهبن للعيش في بيوت أهلهن، نظرًا للضغوط النفسية التي يعيشونها في السكن الجماعي».

  • الظروف السيئة تخلق مشاكل اجتماعية

من جهتها ترى أسماء الأخصائية في علم النفس أن «الشعور بالخوف والإحباط والفشل والقلق من المستقبل المجهول أو من مصادر الخطر وعدم الاطمئنان الذي يواجه النازحين، يخلق لديهم مشاكل نفسية واجتماعية وعائلية مؤلمة، تنعكس على الاستقرار النفسي والتوافق الاجتماعي»، مشيرة إلى أن «بعض الأفراد لديهم القدرة على التحمل لمواجهة هذه المواقف بقدر كبير من الاتزان، بينما لا تتوفر هذه القدرة لدى آخرين، فسرعان ما يصابون بالانهيار الجسمي وبعض الأمراض الانفعالية».

وأضافت أسماء أن «طريقة التفكير بالماضي والحالة التي كانت العائلة تعيشها، إضافة لفرق الأعمار واختلاف الرؤية بين الأجيال والحكم المسبق على الآخرين قد تزيد المشكلة سوءًا وتخلق أعباء إضافية».

وتعتبر أسماء أن «وجود أناس ثقات بالنسبة لهؤلاء الأشخاص قادرين على سماعهم وتقبلهم وإظهار التعاطف معهم، يمكن أن يخفف حدة هذه المشاكل»، مؤكدةً على «ضرورة إقامة دورات توعوية لتعليم الأفراد كيفية إدارة الضغوط والأزمات، إضافة إلى دورات الدعم النفسي والاجتماعي».

وبعد أن تبدلت الاستقلالية والحرية التي تمتع بها الزوجان في سوريا قبل الأحداث والتي كانت شرطًا أساسيًا للزواج، إلى ضغوط نفسية ومشاكل اجتماعية سببها الأول تردي الحالة المادية، يجد السوريون النازحون ضرورة العودة إلى منازلهم بأي طريقة ممكنة، محاولين بذلك التغلب على تقييد حياتهم الاجتماعية وطريقة لتلافي الخلافات العائلية، رغم عدم استقرار المدن والبلدات التي خرجوا منها.

تابعنا على تويتر


Top