المجتمع المدني في الرقة .. أين ذهب؟

عنب بلدي ــ العدد 123 ـ الأحد 29/6/2014

المجتمع المدنيعلوان زعيتر

كانت الرقة منذ بداية الثورة، مركز لجوء رئيسي لمحافظات الشمال والوسط، وهذا أفضى ﻷن تكون حاضنة شعبية للمحافظات المنكوبة، مما جعلها تكتفي بهذا الدور الذي كانت تخترقه بعض المظاهرات الأسبوعية الصغيرة الحجم والفاعلية.

المنعطف الخطير في مسار المدينة على خارطة الثورة هو «التحرير» السريع والمبهم الذي فاجأ أهل المدينة نفسها، وبأقل التكاليف البشرية والبنيوية، حيث تم تغيير المشهد بكامله في المدينة خلال ساعات فقط، إذ فرغت من كل أشكال عناصر النظام باستثناء بعض النقاط، أو المراكز الأمنية التي قاتلت لساعات إضافية، وبعدها أصبحت المدينة بالمطلق تحت سيطرة الجماعات الإسلامية المقاتلة تحت راية الثورة.

نزار الأحمد رسام كاريكاتير عاش في الرقة فترة طويلة ثم خرج بعد ظهور تنظيم «داعش» يتحدث لعنب بلدي عن أسباب تلاشي المجتمع المدني في الرقة، وأخطاء التيارات المدنية الثورية.

  • الخطأ كان في البنية التنظيمية (انغلاقها بنيويًا)

منذ اليوم الأول للتحرير بدأت الفعاليات المدنية والشبابية بإظهار وتنظيم نفسها تحت مسمى تيارات وتجمعات، شاركت في أغلبها بصفة فنية وتطوعية واطلعت على بنيتها التنظيمية منذ نشأتها، وهنا برأيي كان مقتل العمل المدني ككل في المدينة، ففي الوقت الذي رأى فيه البعض بأنها حالة صحية ومدنية بامتياز بعد عقود من سطوة النظام وقمعه للحريات والتنظيمات سواء مدنية أو سياسية، كنت أرى في ذلك حالة تقسيم اتضح ﻻحقًا بأنها ممنهجة ومدروسة، خاصة بعد تشكيل كل التيارات التي بدأت بعفوية واندفاع وحماس صادق إلى حد كبير في خدمة الوطن، من خلال إنجاح تجربة مدينة دعيت بـ «عاصمة التحرير».

ومنذ الأيام الأولى بدأت حالة الاستقطاب الخفي لهذا الشباب الهاوي في العمل السياسي أو المدني، وذلك من خلال الدورات المختلفة في تركيا وتمويل التجمعات على شكل حواسب محمولة وأجهزة انترنت فضائي وهواتف نقالة ومبالغ مالية تختلف نسبها من تجمع ﻵخر، وبحكم صِلاتي «فنيًا وتطوعيًا» مع أغلب هذه التجمعات ﻻحظت مدى انغلاقها «بنيويًا» على نفسها، فحين حاولت مجرد جس نبض أحد التيارات بطرح فكرة الاندماج مع التيار الفلاني كان الرد يأتي بأن هذا التيار مشبوه وغير واضح الأهداف، وهنا برأيي كانت بداية المشروع المعد لشل الشباب الفاعل في المدينة وإشغاله بالدورات المتلاحقة لكل التيارات، وكان ائتلاف أبناء الرقة يلام لأنه أشغل نفسه ببناء جسم سياسي نخبوي متجاهلًا -عن سوء تقدير ربما- العنصر الشبابي الذي انقسم إلى أكثر من 20 جسم مدني، اقتصرت جل نشاطاته على البعد الكرنفالي من خلال إحياء تظاهرات، أو نشاطات مختلفة لم تكن لتجدي في تنظيم العمل المدني ككتلة متماسكة تناسب حجم المدينة، وانكفاء الكثير من الشخصيات الاعتبارية في المدينة عن متابعة نشاطات هذه التيارات وتوجيهها بما ينقصها من خبرة وتنظيم، لدرجة أن إحدى التظاهرات العامة التي رفعت أعلام الثورة كانت بالمقابل تحمل بشكل واضح تمايزًا واضحًا وخطيرًا، حيث تكتل كل تيار بتيشرتات تحمل اسم التيار الفلاني أو التجمع العلاني. وربما كان المد الأصولي قد التقط هذا التشرذم -إن لم يكن قد ساهم به- وبدأ يتمدد بطريقة خطيرة جدًا وصلت إلى حد المواجهات المباشرة بين أنصار «الدولة المدنية» وأنصار «الدولة الإسلامية» وذلك بالتراشق بالحجارة والعصي، وفي حاﻻت ضيقة إلى إطلاق النار في الهواء.

  • خطف الناشطين

ورغم تلك الحوادث التي بدأت تتصاعد، ظل الجسم المدني الشبابي منغلقًا على نفسه في تياراته وتجمعاته التي بدأت في جلها تمضي وقتها في المقاهي ووراء الحواسب عبر المواقع الاجتماعية، وترك الساحة لامتداد سريع للأصولية والتكفيرية، التي بدأت بلعبة ذكية لزيادة حالة الشلل، أﻻ وهي خطف الناشطين تباعًا، وتصفيتهم جسديًا كما حصل مع أكثر من ناشط، وهنا بدأت كل هذه التيارات بالتفكك أمام سطوة الظلامية التي كشرت عن أنيابها بوضوح، فكان ﻻ بدّ لبعض النشطاء الفاعلين أن ينفذوا بجلدهم حرصًا على أمنهم، وتبعتهم موجة ممن سموا أنفسهم «نشطاء»، متخفين بحجة أن الجماعات الأصولية تستهدفهم، وتم تفكيك جميع الأجسام المدنية، باستثناء المجلس المحلي بكوادره، وتنسيقية أو اثنتين ظلت تعمل بشكل متقطع أو خفية خشية استهدافها

البعد العشائري كان واضحًا في هيكلية كل التيارات الشبابية، بمعنى أن قادة هذه التيارات كانوا من عشائر معينة، والعرابين -من وراء الكواليس- كانوا من نفس العشيرة. بعض هؤﻻء العرابين كانوا مساهمين وبقوة في حالة إفراغ البعد المدني من المدينة، وذلك بتكريس ثقافة الانغلاق، ناهيك عن تسهيل الكثير من العشائر للمد التكفيري المتمثل بداعش وجزء كبير من النصرة، وذلك بالمبايعة بين العشائر وهذه الفصائل، أو من خلال انخراط أبنائها فيها بدافع مالي أو ديني، أو حتى بدافع عشائري محض، كون أحد الأمراء في داعش أو النصرة هو ابن لهذه القبيلة أو تلك، وهذا ما أفضى ﻻحقًا إلى إنهاء الحالة المدنية في الرقة ككل وسيطرة الأصولية التكفيرية على المدينة. ولعل المواجهات الأخيرة بين داعش وخصومها في الرقة لم تكن من أجل تصحيح مسار الثورة، بقدر ما هو اقتتال على السلطة والغنائم، التي كان يقتات منها كل فصيل دخل المدينة تحت العنوان المفرغ من مضمونه الأخلاقي والإنساني «تحرير»، حيث دخلت المدينة في شمولية دينية تكفيرية تكاد تكون في جوانب اجتماعية كثيرة، أكثر انحطاطًا من سلوك النظام.

تابعنا على تويتر


Top