حمــص كما لا يعرفها رمضان

20130714_184120.jpg

عنب بلدي ــ العدد 123 ـ الأحد 29/6/2014

حمصقنديل ضاهر – حمص

أغمض عينيه وسحب نفسًا عميقًا حتّى ارتفع صدره للأعلى «كم أشتاقه، وأحنُّ إلى عطره الذي كان ينشره في أرجاء المدينة لحظة قدومه»، يتابع أبو أحمد بحرقة، وهو تاجر بسيط في مدينة حمص، «في هذا الشهر الفضيل استشهد ابني ومعه أعزّ أصدقائه، ولذلك لا أريد من رمضان إلّا أن يأخذني معه عند رحيله ويلحقني بابني».

يختلف الزمن الذي يأتي فيه رمضان اليوم، وتختلف معه «تحضيرات» ومشاعر الناس تجاهه في مدينة حمص، فهو الرمضان الثالث الذي يمرّ عليهم منذ انطلاق الثورة.

يقول عمّار، وهو طالب جامعيّ، «لم تعد أصوات المدافع مرتبطة بموعد الإفطار بل باتت خلفيّة يوميّة لحياتنا، أمّا طقوس رمضان فلم تعد تعني سوى العبادة، لا زينة ولا استعدادات كبيرة ولا مظاهر احتفاليّة في ظلّ ما تشهده البلاد من آلام، انظر حولك لنْ تجد بيتًا ليس فيه شهيد أو جريح أو معتقل أو مهجّر».

رغم كل هذا التشاؤم والحزن الذي يعيشه أهل المدينة، إلا أن بعض الأهالي ما يزالون يشعرون بالحماس تجاه هذا الشهر، فيقول يامن، وهو شاب من سكان حمص، «ربما يشكل رمضان هذا العام فرصة لمراجعة ذواتنا وإصلاحها من الداخل لنعود كما كنّا في الأيام الأولى يدًا واحدة». لكنّ صديقه يحيى يقول «لن أزيّن شرفة منزلي هذا العام فرحًا برمضان وهكذا سيفعل أهل حمص، ربما خوفًا من الحكومة والدفاع الوطني، الذي يقوم بحملة تفتيش بين الحين والآخر، باتهامنا بالتعصب الديني».

وعندما تبارك لأهل حمص بقدوم رمضان لا تكاد تسمع الجملة المعتادة، «ينعاد عليك بالخير»، «كل عام وأنت بخير» بل تسمع كلمات فيها ألم وأمل؛ «وأنتم بخير وبرجعة كل غايب لأهله»، «وأنتم بخير وبفرج الهم عن قلوبكم، وأمانة ادعي لابني أو لأبي..»، وعندما تسألهم عن صبرهم في حرّ الصيف عن الطعام والشراب يكون الرّدّ وكأنّ الجميع حفظ نفس الجواب فيقولون باستهزاء «بالأصل في نفس لناكل» أو «دخيلك ما نحنا بحكم الصايمين يدوب عم ناكل، ما وقفت عَ شهر».

توضّح ياسمين، ربّة منزل، لامبالاة البعض في هذا الشهر «الاستعداد لشهر رمضان لم يعد كما قبل، فتكاليف المعيشة وغلاء الأسعار وتراجع القدرة الشرائيّة للناس في المدينة كفيلة بأنْ تجعل موائد رمضان شبيهة بموائد الأيام العاديّة».

ويحاول السكان في حمص إعادة إحياء الملامح والطقوس الخاصة برمضان في المدينة عبر إعادة افتتاح المحلات الشهيرة الخاصّة ببيع المشروبات والمأكولات الرمضانيّة واستقطاب الزبائن في المتاجر من خلال العروض على السلع والمواد الغذائيّة والتموينيّة. يقول فايز، رجل في الخمسين يبيع الحلويات على عربة متنقّلة، «الحياة استمرّت وستستمر، هذا ليس خيارًا بقدر ما هو قرار اتّخذه الناس بعد كلّ ما حدث، كنت أمتلك محلًا لبيع الحلويات في السوق وعند النزوح إلى حيّ الوعر لم أتوقّف عن صناعة الحلويات وبيعها، وحتّى بعد مغادرة الوعر أقوم بالعمل اليوم بواسطة هذه العربة المتواضعة».

مرّ رمضان العام الماضي على الحماصنة بشكل كئيب وغابت كل ملامحه عندما كانت الناس تأوي إلى بيوتها باكرًا خوفًا من أيّ اشتباك أو إطلاق للنار أو قذائف ويخشون هذا العام من استكمال ما فعله النظام العام الماضي من استهداف للمساجد عند خروج الناس من صلاة التراويح وخشيتهم ممّا سيحدث في ظلّ تأرجح الأنباء بخصوص الهدنة بين النظام وكتائب المعارضة في حيّ الوعر، لكنّهم يأملون بشهرٍ كريم يخفّفُ بطقوسه معاناتهم اليوميّة.

وداخل كلّ بيت حكاية ألم يحملها معه رمضان وذكريات سابقة فكما تقول ياسمين «يكمن سحر شهر رمضان بالإضافة لطقوس العبادة في اجتماع الأقرباء والأصدقاء على الموائد والسهرات، اليوم لم يعد هذا ممكنًا في ظل تشتّت معظم العائلات الحمصيّة بين الهجرة والموت والاعتقال»، وتضيف «الحنين يجرف بنا أيضًا إلى رمضان في بدايات الثورة حيث كانت تعمّ التظاهرات الليليّة اليوميّة المدينة في مشاهد أسطوريّة تتحدّى الموت بالإصرار على التغيير».

صحيح أنّ أسواق حمص لم تعد مزدحمة حتّى الفجر كما في السابق، وكذلك لم تعد الثورة مشتعلة داخل أحيائها، لكن يبقى الأمل معلقًا برغبة الناس بأنْ يشكّل الشهر الكريم فرصة لاستعادة أنفسهم وتقويمها في إطار سعيهم السابق واللاحق للحصول على التغيير المنشود.

تابعنا على تويتر


Top