الخبز الدافئ

عنب بلدي ــ العدد 124 ـ الأحد 6/7/2014

هبة الأحمد – ريف دمشق

إلى أي مدى يمكن للإنسان أن يحتفظ بإنسانيته مع كل ما يحدث؟ كيف يبقى الإنسان المحاصر في خبزه، المنازع على قوت يومه، والمهدد في أمنه، كيف يبقى إنسانًا؟ هل يمكن له في نضاله مع الطواحين من أجل حفنة طحين ألا يطحن قيمه ومبادئه؟ هل يمكن لإنسان لم يحظَ بحقوق الحيوان أن يحتفظ بكرامته الإنسانية؟
في مشهدٍ فقد غرابته لفرط اعتياده، على دورٍ للخبز في دمشق، حيث يقف سيلٌ بشريٌ منتظرًا دوره لأخذ «حصته» من الخبز، خرج أحد الرجال الظافرين بأرغفة الخبز، متكئًا على عصاه الخشبية، حاملًا خبزه على ساعديه يكاد يطير به، إذ وقعت عيناه على فتاة صغيرة انتحت يمين الطريق وجلست تبكي، فمشا نحوها ثم جلس على مقربة منها ومسح بيمينه على رأسها: «مين مزعلك يابنتي»؟
– كل الناس
-ليش ياعمو؟
– لأنو ماعم يخلولي خبز
ابتسم الرجل الطيب بعيون دامعة وقال مشيرًا الى أرغفة الخبز في يديه «هدول أنا جبتلك ياهن»
ووضعهم بين يدي الفتاة ومضى، خالي اليدين من الخبز ممتلئ القلب بابتسامة الفتاة ودهشتها، تاركًا كلماته العظيمة التي ألقاها على مسمع الفتاة تتردد في السماء.. «مين إلنا غير بعض».
في هذا المشهد البسيط الذي يتكرر بصور مختلفة كل يوم الكثير من العبرة والألم، دفء ابتسامة الرجل الطيب تجيب على الكثير من التساؤلات الماضية: نعم، من الممكن أن يؤخذ من الإنسان كل شيء ، ماعدا شيء واحد وهو آخر شيء من الحرية الإنسانية: حريته في أن يختار ما يفعل وأي طريق يسلك.
ففي حين أن الفيزياء تقول أن لكل فعل رد فعل يساويه في القيمة ويعاكسه في الاتجاه، يقول علماء النفس أن المرء يمكنه التأثير في حياته وتغييرها من خلال إدراكه للمسافة بين الفعل ورد الفعل التي يكون ملؤها من اختياره الحر.
لقد ألقت الحرب بظلالها على كل شيء، والضغط الذي ترتب على الكثيرين من جرائمها أفضى في حالات كثيرة إلى التبلد وفقدان الحس، وفي حالات أخرى إلى الغضب والانتقام، لكن يمكن دومًا للمرء أن يختار ردة فعله إزاء ما يحدث. والطريقة التي يواجه بها الإنسان محنته تهيئ له فرصة عظيمة مهما كانت الظروف، لكي يضيف إلى حياته معنى أعمق، يمكن له أن يقتنصها أو يدعها تفلت من يديه.
يستطيع الإنسان أن يحيا حياة كريمة وشجاعة بعيدًا عن الجشع والأنانية، ويمكنه دومًا أن يكون من الذين يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة.. ذلك إن هو شاء.

تابعنا على تويتر


Top