القضية المركزية!

محمد رشدي شربجي

كأننا نعيش أجواء ما قبل الربيع العربي، أجواء عدوان 2009 كما هي وإن كانت بدرجات أسوء.

غزة تصارع إسرائيل لوحدها، ومصر بقيادة السيسي، كما كانت أيام مبارك، تتعاون مع إسرائيل وتعتبر حماس تهديدًا لأمنها القومي أكثر مما يفعل الكيان الصهيوني، حسن نصر الله يظهر على شاشة قناة المنار مؤيدًا للمقاومة وغزة ومهددًا إسرائيل، والتلفزيون السوري يشيد بعمليات المقاومة ويدين همجية إسرائيل غير المحدودة، وزيادة على كل ذلك حروب طائفية وقبلية طاحنة ابتلعت البلاد العربية وابتلعت معها بعض حركات المقاومة نفسها.

الاختلاف الذي حدث أن الشعوب العربية بفضل الربيع الذي زلزلها قد كشفت لعبة المقاومة، أو بشكل أدق المقامرة بالقضية التي لطالما استبد بها حكامها بسببها.

لقد أصبح الشعب السوري أكثر تمييزًا بين من يتبنى خيار المقاومة لأنه يعتقد أنه السبيل الوحيد للتحرير كما تفعل غزة اليوم، وبين من يتبناها ليكرس هيمنته على شعبه كما يفعل النظام السوري وحليفه في لبنان، اللذين أثبتا أن ممانعتها لحرية شعوبهما هي أكثر بأضعاف مما هي عليه للكيان الصهيوني.

القضية الفلسطينية كانت في ضمير الشعوب العربية عندما ثارت على حكامها، وإن كانت الشعارات التي طرحتها في البداية بعيدة في حرفيتها عن فلسطين “عيش حرية عدالة اجتماعية” في مصر، “الله سوريا حرية وبس” في سوريا، ولكنها لطالما عيرت النظام السوري بأنه أمطر شعبه بالصواريخ والبراميل ولم يمطر إسرائيل إلا ببيانات الشجب والإدانة، وهو ما يعكس الرغبة العميقة لدى الشعوب العربية بتحرير فلسطين كل فلسطين.

وبقدر ما كان الربيع العربي كاشفًا للمنافقين ومبرزًا أهمية القضية الفلسطينية في ضمير الشعوب، بقدر ما كان انحرافه كارثيًا على الشعوب العربية المنتفضة، وكارثيًا على القضية الفلسطينية ذاتها، فالقضية كانت لفترة طويلة خارج نطاق أي خلاف أيديولوجي أو مذهبي أو عرقي، ولكنها الآن باتت في صلب هذه الصراعات المتكاثرة في منطقتنا.

فبعض المصريين المؤيدين لـ 30 يونيو يدعمون إسرائيل في حربها ضد حماس لارتباطها بالإخوان المسلمين، بل وامتد العداء لكل الشعب الفلسطيني وليس فقط لحماس، وبعض السوريين يؤيدون حماس لأنها حركة سنية، في حين أنهم سيؤيدون عدوانًا على مناطق شيعية في جنوب لبنان، على سبيل المثال، وداعش وعصائب أهل الحق وأبو الفضل العباس وأشباههم ترى في القضاء على بعضها أولى من محاربة إسرائيل.

السعار الطائفي دمر المنطقة العربية وشعوبها ولم تبق فيها حجرًا ولا بشرًا، وما لم يتم تجاوز المعضلة الطائفية وإيجاد حلول جذرية لها فلن تقوم لهذه الأمة قائمة.

على النخب السياسية في العالم العربي أن تعود إلى رشدها وأن تعلي الشأن الوطني على الشأن الطائفي، بغية بناء دولة مدنية ديمقراطية تتسع للجميع ولا تستثني أحدًا، وإلا فإن الطائفية ستعود لتبتلع الجميع وأولهم من أثارها، وما داعش إلا بداية هذا الكابوس الطويل.

تابعنا على تويتر


Top