القوقعة

الرواية المشهورة في أدب السجون لعلّ معظمنا قرأها، والغالبية من القراء يعتقدون أني أكتب عنها، لكنني سأخيب ظنكم للأسف!

عن أخرى أتحدث، لا تقلّ صعوبة وألمًا ووحشة، لكنها قوقعة اختيارية لا قسرية… وقلّ من يعرف الطريق للخروج منها بعد أن يختار التكوّر فيها.

كثيرًا ما تتحول حياة كل منّا إلى سجن انفرادي يجعله حبيس همومه ومشاكله هو فقط، تنسى عيناه رؤية أشعة الشّمس في الخارج، ينظر للناس كلّهم على أنهم “هؤلاء المحظوظون الذين يعيشون حياة فردوسيّة لا شقاء فيها”، وهكذا يمضي حياته، بين لطم وندب لذاته وآلامها، وإقصاء للنفس عن كل ما حولها “لأنهم لا يعيشون ما نعيش”، وزيادة حدة المشاكل الذاتية باستشعار أن سواه بالنعيم غارق.

في سوريا عشنا هذا الأمر أيضًا، مررنا جميعا بتجارب جعلتنا نستشعر غصصًا جديدة علينا كسوريين بعيدين عن الحروب وضرائبها المؤلمة، شهيد ومعتقل وجريح وشريد ونازح… ألقاب تخبطنا في متاهاتها فما استطعنا تخيل هموم الحياة إلاها، والأمر إذ تنظر له عن قرب صحيح عاطفيًا، لكن مسافة كافية تمنحها لنفسك لتمعن النظر في المشهد كاملًا تتيح لك أن ترى الحياة مستمرة رغم كل ألم، كما سيتاح لك أيضا أن تلمح -ولو بشكل ضبابي- أن آخرين يعيشون في هموم أخرى لا تقل وطأة عما تعيش.

جرح غزة اليوم أعاد لنا كسوريين شعور التفاعل والتأثر لأجل غيرنا، سنوات ثلاث قضيناها مع آلامنا وأخبارنا ومشاكلنا نحن، قارنّا يومًا صنيع الأسد بما يفعله الصهاينة بفلسطين فاستخففنا بالثانية التي لم نعشها أمام ما نعيش ونصارع، بالمجمل غرقنا -ككل الناس- بما نكابده في سوريا، بل وساد نوع من التفكير المناطقيّ حتى إذ نتكلم عن الخسائر والألم، فالحموي يرى أن ما عانته حماة لم تعانه محافظة أخرى، وكذا الحلبي والحمصي والدرعاوي والدمشقي، وكذا أبناء مختلف الأرياف والمدن والقرى، كل غارق في حدود منطقته، وهمومها وتحدياتها التي أترعها النظام بها -ولعلّنا إن نظرنا للأمر من هذا المنظور وجدنا أن التقسيم حاصل فعلًا معنويًا.

عندما نتابع على اختلاف أماكننا اليوم أخبار غزة، ونستشعر جميعًا بفخر خفي يتملكنا إزاء مفاجآت المقاومة -تلك التي خابت في أعيننا خلال الثورة-، يستيقظ فينا فجأة شعور بالمؤازرة. لسنا وحدنا في مضمار الألم والتحدي، لسنا وحدنا من نعيش رعب القصف والغارات ومحاولات الاقتحام البري، ولسنا وحدنا من نحاول بسلاح بسيط فقير صدّ عدو قوي يسانده العالم كاملًا، فلا تقارن قوتنا بقوته.

ما يحصل في غزة يعيد لنا أيضًا الثقة بعقولنا القادرة على إبداع الجديد باستمرار، ليس فقط في نطاق السلاح، بل في جميع ميادين الحياة الأخرى، إن كان أهل غزة رغم حصار سنوات قادرين على ابتكار طيارة من دون طيار تعد الأولى عربيًّا، سيكون بقدرتنا “التحليق” فوق مشاكلنا بأساليب مبتكرة من وحي ما نعيشه.

من أجمل ما قد يحصل، أن تسمع شخصين يتبادلان أخبار غزة بحماسة بعد تفجير سيارة مفخخة في مدينة دوما بساعة واحدة فقط.

ولئن قيل سابقًا “من يرى مصيبة غيره، تهون عليه مصيبته” ربما يحق لنا أن نزيد عليها: “بل ويقوى عليها أيضًا”.

من الغوطة الشرقية… هنا غزة

تابعنا على تويتر


Top