العيد… اختبار قدرتنا على الفرح

.jpg

عنب بلدي ــ العدد 128 ـ الأحد 3/8/2014

حمصهبة الأحمد

اعتاد الناس على الألم والنكبات المستمرة منذ عقود، واحتلت المأساة البيوت وتسلل الحزن إلى القلوب وعشش فيها، فيأتي العيد ليكون يوم خروجٍ من حال إلى أخرى بزمن قصير ليعيش الناس يوم فرح في هذه الحياة التي تحولت عن طبيعتها.

فالعيد كلمة تحمل معنى الإجماع العام على الفرح بشيءٍ ما.

أصبح الحديث عن الفرح والبهجة في هذه الظروف أشبه باقتراف جريمة، بعد كل الآلام والهزائم والخسائر من يجرؤ على ممارسة الفرح؟ أو الحديث عنه؟

من الصعب حقًا أن تشعر ببهجة العيد وأنت تشاهد المسلحين يختالون في الأرض مرحًا على جثث الشوارع الخاوية، من الصعب أن تبتلع حلويات العيد وأنت تقرأ تقريرًا عن عدد اللاجئين الذين لا يجدون الخبز، وليس سهلًا أن تحافظ على توازنك فضلًا عن ابتهاجك في مدينتك التي حفظت ذاكرة جدرانها روائح إحراق النفايات والجثث وملأت رئتها مخلفات البارود.

كان أبو علاء يتحدث مع جاره حول غلاء الأسعار ومخلفات الحرب ويتألم لسوء حظ الأطفال الذين حُرموا بسبب الحرب من عيدٍ كالذي حظي به في طفولته، ركض إليه علاء الصغير مبتهجًا كمن عثر على كنز مقاطعًا حديثه: بابا بابا دايمًا كنت قلك اعملي شباك بأوضتي وتقلي مو فاضي.. صار في شباكين من القذيفة، وركض علاء ليكمل ضحكه وصخبه الطفولي ومشوار بحثه عن اكتشافات جديدة، جرت دمعتان على خد أبي علاء وأطرق رأسه قليلًا ثم رفعه قائلًا لأبي سعيد: في حين نلهث نحن الكبار العقلاء بحثًا عن العيد.. أطفالنا يعيشونه ببساطة متناهية.

يعرف الأطفال أن الفرح هو أحد الأسلحة النفسية في نضال الإنسان للبقاء، ولا شيء يضاهي قدرته على التغلب على الصعاب. حين يحارب الأطفالُ الجدرانَ بنوافذ الفرح فكلّ محاولات من يريد أن يسطو على إرادة الحياة محض عبث، فالأطفال يمكنهم تحويل المركبة إلى سفينة فرح وألوان وعبثًا يحاول الضباع تحويلها إلى تابوت

من عز ّعليه الفرح وفقد قدرته على المشاركة فيه فلا يغتل فرحة الأطفال به ولا يقحمهم في مآسي العالم ويزجهم في أحزانه وجحيمه ونيرانه.

علمتنا الحرب أن نحبّ التفاصيل وأن نحتفي بالفرح ونقدس الساعات التي نقضيها مع بعضنا بين جدران منزلنا وأن نداري خبزنا وفرحنا برموش عيوننا وأن نمشي خفافًا على الأرض… الحرب علمتنا أشياء لا مثيل لها، ومع ذلك الكل يتحدث عن مآسيها وذنوبها ولا أحد يمتدح فضائلها.

الحرب تعلمنا أن نستنشق الحياة على شرفات الموت…

الحرب تعلمنا العيد.

العيد ليس تلك الكلمات التقليدية التي نلصقها على شفاهنا، ولا تلك الحلويات التي نحشو بها أحشاء ضيوفنا، العيد هو فنّ الاحتفاء باللحظات السعيدة والإجماع العام على الفرح.

تابعنا على تويتر


Top