تقليدية التعليم الرسمي .. إغراق في الكم، وبعد عن جوهر المعرفة

-ضد-العلم-2.jpg

عنب بلدي ــ العدد 130 ـ الأحد 17/8/2014

تعليم ضد العلم (2)هبة الأحمد

يشهد العالم اليوم انفجارًا معرفيًا متطورًا باستمرار، إذ تتضاعف المعرفة البشرية مرةً كل ثمان سنوات، في حين يقف التعليم الرسمي ومؤسساته وطرقه التقليدية عاجزًا عن احتوائه أو حتى عن مجاراته.

التعليم في البلاد العربية (وحتى غير العربية) يعاني مشكلاتٍ هي أكثر من أن تحصى، ولم يكن صدى صرخات المفكرين وصيحات العلماء والأدباء منذ نصف قرنٍ وأكثر بأهمية فعل شيء حقيقي للنهوض بالتعليم إلّا تحسينات بسيطة هنا وترقيعات هناك.

التعليم اليوم أبعد ما يكون عن كونه تعليمًا، فهو يُعنى بالشهادة في الدرجة الأولى ولا يولي العلم الحقيقي وعمق المعرفة ولذة الاكتشاف أي أهمية تذكر، رغم أن الشهادة وسيلة لا غاية وعرض لا جوهر والوقوف عندها والقناعة بها لا يصح، لذلك لا يخرِّج التعليم اليوم جماهير مثقفة ولا أجيالًا واعية، وإنما نماذج ونسخ متشابهة عن بعضها تكرر ما حفظته، ومعتادة (بحسب تعبير نعوم تشومسكي) على البلادة والتكيف، ووفقًا لذلك تصبح الشهادات الأكاديمية في معظمها ”شهادة زور”.

الملاحظ لدى الأساتذة والمربّين أن الطلاب في المراحل الابتدائية يبدون قدرات رائعة وتحمسًا مثيرًا للإعجاب للعلم والمعرفة، الأمر الذي يفقده طلاب الجامعات، فهناك شيء ما يحدث في سنين المدرسة يثبط همم الطلاب، ولا بد لنا من أن نتفهمه ونحاصره.

 يمكننا وصف التعليم الرسمي بصورته الحالية بأنه أشبه بإحضار سمكة وقرد وطائر وإخضاعهم لمنهاج واحد واختبار موحد قائم على المنافسة، وتقييم أدائهم من خلاله، رغم أن كلًّا منهم مزوّد بقدرات واستعدادات مختلفة، فغباء هذا التقييم لا يقل عنه في تعليم طلاب مختلفين نفس المنهاج واختبارهم به وفي هذا كفر بتفردهم وتثبيط لهممهم.

 كما أن التعليم بالقسر والإجبار وحشو الدماغ بالمعلومات لغرض الامتحان له أثر بالغ السوء على فضول العلم، فإجبار كائن نهم على الأكل بصورة مستمرة بالسياط سواء أكان جائعًا أم لا، كفيل بالقضاء على شهيته، وكذلك الأمر بالنسبة للتعلّم ونهم المعرفة، فالعلم ليس هو مجموعة معارف وإنما هو طريقة تنظيمها والتفكير بها ونقدها أو البناء عليها، وهدفه الوصول إلى كيفية عمل العالم، واستكشاف ما به من تناسق وانتظام.

العلم من أهم الاحتياجات الأساسية لتطور أي أمة وبدونه كل شيء يصبح هامشيًا، لكن التعليم الرسمي الذي يقوم على ابتلاع مجلدات ضخمة ثم تقيؤها كما هي على ورقة الامتحان دون هضمها حتى، يقف عائقًا في طريق العلم الحقيقي، كما يقول إينشتاين: ”إنها لمعجزة أن ينجو الفضول المقدس للعلم والمعرفة من التعليم الرسمي”.

ترك إينشتاين المدرسة وأدار ظهره للعلم المزيف وعكف على دراسة العلم الحقيقي ملتفتًا لاهتماماته وميوله حتى أصبح عالمًا فذًّا، وأتساءل كم إينشتاينًا في بلادنا ثبّطهم التعليم الرسمي والامتحانات التنافسية والمناهج الدراسية التي تعطى لهم بطريقة الإطعام القسري؟

أخيرًا، الواقع السيء للبنية التعليمية في بلدنا يعتبر بمثابة عزاء للخراب الكبير الذي لحق بها في ظل ما يجري اليوم، فكما يقول أجدادنا: ”إذا راح الغالي لا أسف على الرخيص”.

نظام التعليم كالدار القديمة التي بنيت من غير هندسة ومن غير مخطّط ، فخرابها اليوم فرصة عظيمة (إن استثمرناها بذكاء وشجاعة) لهدمها من أساسها، وتنظيف أرضها وبنائها من جديد على هندسة صالحة ونمط صحي نافع.

تابعنا على تويتر


Top