فشرد بهم من خلفهم

عنب بلدي ــ العدد 131 ـ الأحد 24/8/2014

مهند الحلبي

ترتجف شفتاي الباردتان اللتان ذاقتا يومًا فرحة الصياح بأعلى صوت “حرية”..

وركبتيَّ الجاثم عليهما هما نفسهما من ركضت بهما من مظاهرة إلى تشييع من جبهة إلى جبهة حتى أوصلاني إلى هنا..

أنا أنتظر القدر.. ذلك القدر الذي أخد مني أختي الصغيرة وبيتي، أخد مني ذكرياتي ورماها بعيدًا حيث لن أصل بعد اليوم..

أسترق النظرات إلى يميني ويساري، أطفال يبكون خوفًا، وكبار يرتعدون خشية، كلهم ينظرون جميعًا إلي، وكأني كنت أنا من حاربتهم وقتلت أصحابهم وشردت أهلهم وكفرت شبابهم، وكأني أنا من أذبح نفسي بنفسي..

دقات قلبي لم تسمعني حجة الذبح، تلك الحجة التي جعلتني أنا القاتل والمقتول، أنا من جنيت على نفسي، جعلت من نفسي عبرة لمن يعتبر، عن حياة تجرأت وقلت فيها لمحامي الإله “بدي حرية”..

تدور في بالي ذكرياتي القديمة كلها عن أول يوم ثرت فيه وأمسكت قلمي لأبوح عن أفكار كسرت بها جدران الخوف، عن يوم مشيت فيه على جسر الدير حالمًا بأن أرقص عليه منتشيًا بنصر حسبته قريبًا، لكنه بات الآن بيد جند الله المكفّرين الشديدين، من يقيمون دولة دينهم فيها..

أدير وجهي فأرى أصدقائي برقابهم اللينة سهلةً للذبح والذابح منتش بذبحها، يضحك بملء فيه، لم لا، فقد فعل بما أملاه عليه أميره آملًا بصك غفران يدخله جنة مليئة بالحواري..

أذكر من تجز رقابهم جيدًا، الأول كان مسعفًا بشوش الوجه، الثاني كان عازفًا عاشقًا بملكوت الدنيا، الثالث مواطن لم يملك فاتورة للماء فلم يدفع ضريبته، الرابع اسمه طوني، الخامس دخن بالخطأ أمام حاجز ما، السادس لم يبايع لأنه كان في الحمام عندما أعلن الخليفة بيعته، السابع من الشعيطات، الثامن إعلامي يهوى الرسم..

ألتفت للحكام الذين من ورائنا من يلقون الأوامر هنا وهناك، كانوا ستة سابعهم الذابح، أو سبعة ثامنهم الذابح، لا يهم عددهم، ما دمنا سنخلد بعد دقائق إلى أجل غير مسمى..

توضع السكين على رقبتي.. تمر الثواني كسنوات.. أرى من بعيد طفلًا قدحت من عينيه الشرر، ورثته روحي قبل أن أتركها، ورثته ثورتي، التفت وغادر..

حان الوقت كي أغادر أنا أيضًا..

أرسم ابتسامة على شفتي..

إنها النهاية..

تابعنا على تويتر


Top