في نقد داعش، وفي نقد نقد داعش

محمد رشدي شربجي

آن الأوان كي نعترف ونقول أن داعش هي أصيلة في فكر الشعب السوري وتفاصيل حياته اليومية، فلا يمكننا تجاهل العلاقة بين حز الرؤوس ودحرجتها وبين ما يقوله الناس في لغتهم المحكية ولو على سبيل التهديد “والله لاذبحك”. ألا تحمل هذه العبارة حمولة نفسية عنفية هائلة؟

الاستنتاج السابق هو محض هراء بالتأكيد، إذ لا تخلو ثقافة عربية أو إسلامية أو مسيحية أو أي كانت من كلمات مشابهة لهذا الكلام، ولكن الاستنتاج السابق إياه يشبه بالتأكيد بسطحيته وسذاجته النقد الموجه للإسلام على أن نتيجته المنطقية هي داعش وأشباهها.

لقد قدمت داعش كل الذرائع الممكنة لأولئك الذين كانوا ينتظرونها بفارغ الصبر ليخرجوا ما لديهم على الإسلام، بغض النظر عن الواقع، وبغض النظر عما أخرج داعش وهيّأ لها الأسباب.

النقد الموجه للإسلام الآن يتم كما لو أن التاريخ الإسلامي بدأ بداعش، ومن ثم يجهد الفطاحلة أنفسهم في اكتشاف هذه الظاهرة الغريبة العجيبة، فيتم البحث عن أي آية أو حديث أو فعل أو قول أو إشارة ثم غالبًا ما يخرجونها عن سياقها ويسقطون ما هو سابق على ما هو لاحق ليقولوا بوضوح أن الإسلام هو داعش وداعش هي الإسلام.

ليس هنالك من ثقافة ولا لغة محكية في العالم لا يوجد فيها ما يمكن أن يفهم على أنه تحريض على العنف، ليس العنف خاصية إسلامية، بل هو خاصية بشرية من الممكن أن يلجأ لها أي إنسان حين يتعرض للعنف الذي تعرض له المسلمون.

لا شك أن داعش اعتمدت في أفعالها على نصوص إسلامية، بل وتحاول أن (تنصص) كل أفعالها، إن صح القول، ولكنها بالرغم من ذلك تبقى كيانًا المجهول عنه أكثر من المعلوم، والأسئلة عنه أكثر من الإجابات، فليس من الواقعي ولا المنطقي تحليل داعش وأفعالها بالأيديولوجيا فقط، حيث لم يرشح عن هذا التنظيم شيء بما فيه الأيديولوجيا.

ولكي لا يفهم الكلام أعلاه على أنه دعوة لعدم البحث وإعادة التفكير في التراث والاكتفاء بالكلام التقليدي الذي يقال كلما ارتكب الإسلاميون كارثة من الكوارث (داعش لا تمثل الإسلام)، يجب أن لا يشغلنا هذا التشويش عن ضرورة إعادة قراءة الإسلام وفق أسس عصرية موضوعية تأخذ بعين الاعتبار مقتضيات الواقع المعاصر ومقتضيات الواقع لحظة كتابة النصوص الإسلامية.

ليس هنالك مناص من ضرورة التجديد والقناعة التامة أن التاريخ لعب دورًا كبيرًا في صياغة النصوص والمصادر التي نتعامل معها كأنها قرآن منزل، ولا شك بالنسبة لي أن الخلفاء والسلاطين تدخلوا في كل ذلك، بل وتدخلوا في قراءة النصوص وفهمها، وهو ما أنتج نظرية فقهية سياسية (ونظريات في مجالات شتى) لا تناسب إلا الحاكم المستبد وتساهم في تخلف المسلمين بدل تقدمهم.

لا شك أن هناك خللًا كبيرًا في فكر المسلمين، إذ ليس من الممكن أن يكون الفكر سليمًا والسلوك بهذا المستوى من الكارثية، ويجب أن يكون النقد والبحث عن مكامن الخلل من أولى أولويات الكتّاب، ولكن ما رشح من النقد إلى الآن عدا عن كونه يضيع فرصة حقيقية لنقد التراث وتنقيته من ترسبات التاريخ فإنه لا ينتج فكرًا ولا اعتدالًا، بل لا يزيد في الواقع إلا تطرفًا نحو داعش من جهة وتطرفًا في الإسلاموفوبيا من الجهة الأخرى.

تابعنا على تويتر


Top