الثورة السورية في ظل العولمة – 2 … سوريا المتأخرة

عنب بلدي ــ العدد 132 ـ الأحد 31/8/2014

الثورة السورية في ظل العولمةياسر نديم سعيد

عاشت سوريا منذ بداية الستينيات من القرن الماضي عقودًا طويلة خارج التطورات العالمية المتلاحقة التي كانت تحدث في قلب العالم الحديث. السلطة العسكرية التي حكمت سوريا باتجاه شمولي دائمًا وبتوجه بعيد عن الدول الغربية المتقدمة جعلت المجتمع السوري يعيش في قطيعة عما يحدث من متغيرات راهنة في كل عصر. يمكن مقارنة سوريا ببساطة مع لبنان أو تركيا المجاورتين مثلًا. حاول نظام بشار قبل اندلاع الثورة السورية “تحديث” سوريا لتصبح مشابهة للعالم الحديث ولكنه فشل إلى درجة كبيرة بسبب الخوف على السلطة بالدرجة الأولى وتراجع دائمًا عن محاولات الإصلاح السياسي إلى محاولات الإصلاح الاقتصادي إلى محاولات الإصلاح الإداري. لم يستطع نظام بشار عولمة سوريا وانفجرت الملايين من السوريين في وجهه وفي وجه نظامه وهم يرون طريقته في “تحديث” سوريا بتمليكها لأفراد وشركات احتكارية قليلة وبيعها لشركات عربية وأجنبية شريكة أمام أعينهم بحيث لم يستفد من هذا التحديث سوى نخب قليلة في المدن الكبيرة من الطبقات الثرية والقليل من الطبقة المتوسطة الذين جاهدوا للحاق بمتطلبات الاقتصاد الحديث المتعولم، ولكن معظم الطبقة المتوسطة انحدر إلى الفقر والهوامش. انكشفت في سني الثورة مناطق واسعة من سوريا لم تكن أصلًا في منظور “تحديث” السلطة الحاكمة والمالكة، وهي المناطق التي حطمها جيش النظام في حربه على مجتمع الثورة. هذه المناطق هي التي أسرع إليها “المهاجرون” المغامرون من كل دول العالم ممن نبذوا مجتمعاتهم أو نبذتهم وبحثوا عن أرض جديدة يعبّرون فيها عن رفضهم لهذا العالم الحديث المتوحش، وساعدتهم في ذلك ظروف متشابهة في العراق المجاور حيث كشفت الدولة السورية والدولة العراقية عن عوراتها ليتبين هشاشة حداثتها وضعف مجتمعاتها الوطنية ومؤسساتها فانهارت مدن كبيرة أمام ضربات مئات أو آلاف المقاتلين الشباب وانهارت الحدود الوطنية وتحطم كل شيء تقريبًا في مناطق واسعة وبسرعة قياسية.

تراقب دول المهاجرين الأصلية حركة هؤلاء بصورة لصيقة، وهناك إحصائيات دقيقة لعدد من قُتل منهم وعدد من عاد منهم إلى بلاده وعدد من بقي منهم. من بقي منهم مصيره أن يتوطّن ويصبح أقرب للمسلمين السوريين بطباعه ونمط حياته كما حدث دائمًا في سوريا على مرّ العصور.

المسلمون السوريون الذين انضووا تحت جناح داعش كانوا يريدون القتال تحت أي راية تقدم لهم السلاح والمال. لم يفكّر هؤلاء كثيرًا بالمعاني الفقهية والشرعية كما يفكّر بها المنظّرون أو المراقبون باردو العقل والقلب.

شكّلت داعش تحديًا وجوديًا لكل الحركات الإسلامية في كل شيء: فكريًا وتعبويًا وعسكريًا وسياسيًا، واستثارت داعش التفكير عند كل المسلمين في كل قضايا الإسلام. لا أحد يعرف الآن كيف سيكون تأثير ذلك على المسلمين في سوريا في المستقبل.

النظام السوري الذي وجد في حربه على مجتمع الثورة السورية فرصة لإعادة هندسة سوريا اجتماعيًا واقتصاديًا على مقاسه يواجه تحديًا من قوى لا تتركه يهنأ في المناطق التي دمرها وشرد وقتل أهلها، وينوي إعادة إعمارها بمشاريعه القديمة الجديدة التي أصبح تنفيذها أسهل الآن، قوى تدخل سريعًا إلى كل منطقة من هذه المناطق (بما فيها مناطق ثروات نفطية ومائية) فتحتلها وتديرها على طريقتها.

كان يمكن لسوريا في العقود الماضية، لو لم يحكمها النظام الأسدي، أن تصبح بلدًا شرق آسيوي متطورًا يجتذب القوى العاملة الماهرة من كل دول العالم ويدمجها في مجتمعه، أو لا يدمجها مثل دول الخليج، ولكن النظام السوري المتخلف لم يجلب لسوريا إلا الخراب الاجتماعي والاقتصادي ثم الثورة ثم الدمار المادي والقتل والتشريد. لا أحد يستطيع الآن أن يتخيل مصير سوريا في المستقبل طالما دول العالم المتطورة القوية والفاعلة بما فيها إسرائيل مازالت حائرة في هوية البديل للنظام السوري الحالي الذي ربما لا ترى بديلًا له، وطالما الثورة السورية لم تضع أوزارها بعد.

تابعنا على تويتر


Top