بين النفي والتأكيد: عملات سورية جديدة… هل النظام في طريقه للإفلاس

23.jpg

جريدة عنب بلدي – العدد 20 – الأحد – 17-6-2012

رغم التأكيدات والتصريحات العديدة والمتكررة لعددٍ من مسؤولي النظام وفي مقدمتهم حاكم مصرف سورية المركزي والتي دأبت على نفي نية النظام استبدال العملات السورية الحالية أو طباعة عملات جديدة، ظهر وزير مالية النظام ليعلن  أنه قد ناقش مع المسؤولين الروس طباعة عملاتٍ ورقيةٍ جديدة وأن الاتفاق قد اكتمل تقريبًا. وبعد هذا التصريح أعلن عدد من المصرفيين السوريين أن المصرف المركزي قد تلقى الدفعة الأولى من العملات الجديدة دون إعلان كميتها وأنه بالفعل قد ضخ كمية من هذه العملات في مصارف في دمشق وحلب للتجربة.

ورغم تأكيدات هؤلاء المصرفيين على طرح العملات الجديدة في الأسواق في دمشق وحلب،  إلا أن عددًا من المصرفيين الآخرين أو العاملين في القطاع المصرفي قد نفوا وبشدة علمهم بذلك وأكدوا أنهم لم يتلقوا أية تعليماتٍ أو بلاغاتٍ من المصرف المركزي حول هذا الموضوع. إذ أن المنطق يقتضي أنه على المصرف المركزي قبل طرح العملات الجديدة للتداول أن يبلغ المصارف العاملة بذلك لتستعد للتعامل مع العملات الجديدة وتأمين التجهيزات اللازمة لعدّ الأوراق النقدية وكشف المزور منها وسوى ذلك من الاستعدادات. كما أن هذه العملات لم تُر بعد في السوق إذ لم يقل أحد من القطاع المصرفي أو سواه أنه قد تسلم ورقة نقدية جديدة أو تعامل بها. مما يعني أن موضوع طرح العملات الجديدة للتداول حتى الآن غير مؤكدٍ إلا أنه وفي ظل تصريحات وزير المالية والتسريبات المستمرة حول الموضوع يبدو أن تداول العملات المطبوعة في روسيا بات قريبًا جدًا.

وكان اللافت والأكثر أهميةً وخطورةً في تصريحات المصرفيين الذين أكدوا تداول العملات تأكيدهم أن العملات الجديدة لن تستخدم كبديل للعملات القديمة المهترئة فحسب إنما سيتم استخدامها لدفع رواتب الموظفين الحكوميين ولتغطية النفقات المختلفة أي أن حكومة النظام قد تحولت علنًا إلى التمويل بالعجز كملاذٍ أخيرٍ لتفادي الإفلاس وإعلان عدم قدرة الخزينة التي أفرغتها وحشية النظام وحربه المسعورة على السوريين.

إن هذه الخطوة تمثل انعكاسا للوضع الذي وصل إليه النظام لاسيما على الصعيد المالي، إذ بلغ مرحلة العجز شبه المطلق بعد أن فقد جزءًا كبيرًا من ايراداته نتيجة العقوبات على القطاع النفطي وتراجع أعداد السياح القادمين إلى البلاد بشكل كبير والتوقف شبه الكامل لحركة النقل بالترانزيت  وهذه القطاعات كانت تمثل الموارد الأهم بالنسبة للنظام للحصول على الأموال اللازمة لتمويل عملياته. وبفقدان هذه الموارد بات النظام أمام أحد خيارين إما اتباع سياسة تقشفية تقوم على زيادة الضرائب والرسوم المفروضة وخفض الدعم (وهو ما تم جزئيًا من خلال خفض الدعم عن بعض المواد كالمازوت والغاز والكهرباء وربما الخبز قريبًا) أو أن يلجأ النظام إلى التمويل بالعجز من خلال إصدار نقدي دون تغطية ويبدو أن هذا هو الحل الذي اعتمده النظام.

فالعجز المالي الذي يعانيه النظام حاليا هو عجز كبير ويتفاقم يومًا بعد يومٍ،  لذلك لجأ النظام إلى طباعة عملات جديدة لتمويل هذا العجز ولتمويل النفقات الجارية لاسيما دفع رواتب الموظفين الحكوميين وللحفاظ على القطاع العام الذي لايزال حتى اليوم الركيزة الأهم بالنسبة للنظام وبقائه بعد أن بدأ موقف القطاع الخاص – لاسيما في دمشق وحلب الأهم اقتصاديًا- بالتحول تدريجيًا من صف النظام إلى معارضة سياساته. فضمان استمرار القطاع الحكومي ولاسيما الإدارات الحكومية بالعمل وفق إرادة النظام ودعمه له يعتمد لحدٍ كبيرٍ على تأمين الرواتب والأجور للموظفين الحكوميين بنهاية كل شهرٍ لذلك لجأ النظام إلى التمويل بالعجز لتغطية كتلة الرواتب والأجور لتفادي حصول الأسوأ بتخلي جيش الموظفين الحكوميين عن النظام وانضمامه إلى صفوف الثوة فيما لو عجز النظام عن دفع رواتبهم مما يعجّل بسقوطه الحتمي.

وبعد تأكيد قرار طباعة العملات، وفي ظل تضارب الأنباء حول صحة البدء بتداول العملات أو تأجيل قرار التداول حتى إشعار آخر فإن هذا القرار يحمل أثرين أساسيين هامين:

أولهما: أن ذلك سيعطي النظام القدرة على النجاة اقتصاديًا وماليًا لبضعة أشهر من خلال تأمين رواتب الموظفين وتمويل الإنفاق الحكومي الجاري.

ثانيهما: أن ضخ العملات الجديدة سيؤدي إلى المزيد من الضغوط التضخمية وارتفاع الأسعار في الأسواق المحلية. فمعدلات التضخم لشهر آذار 2012 بلغ حوالي 29% مقارنة بشهر آذار من عام 2011، أي أن متوسط الأسعار خلال هذه الفترة قد ارتفع  بمعدل 29%. وفي حال طرح عملات جديدة دون تغطيةٍ، وفي ظل تراجع الإنتاج المحلي وحركة التجارة الخارجية ستزداد معدلات التضخم بشكل كبير. لذلك يتوقع بعض الخبراء أن السلطات لن تضخ كمياتٍ كبيرةً من العملات الجديدة في الأسواق كي لا يتفاقم التضخم إذ أن الإسراف في الضخ سيمثل انتحارًا اقتصاديًا.

ويبدو أن النظام في سبيل النجاة من السقوط لن يتوانى عن اللجوء لكل الطرق والأساليب حتى ولو كانت مدمرةً للاقتصاد الوطني تطبيقًا لشعاره «الأسد أو ندّمر البلد».

تابعنا على تويتر


Top