هدنة داريا.. الخيار الصعب

محمد رشدي شربجي
أخيرًا وبعد تأجيل من طرف النظام لمرتين متتاليتين، خرج الوفد الممثل للثورة في داريا ليقابل موفد النظام في دمشق غسان بلال. وفد داريا عرض المطالب التي أجمعت عليها الفصائل المقاتلة والمتمثلة في إعادة انتشار الجيش على أطراف المدينة، والإفراج عن المعتقلين والكف عن مضايقة أهالي داريا على الحواجز، وهو ما اتفق عليه في كل من المعضمية والقدم والعديد من المناطق التي هادنت النظام. لم ينته اللقاء بشيء ولم يسفر عن نتائج ملموسة سوى الاتفاق على لقاء قادم دون موعد محدد، وإن كان على ما يبدو أن الأمور تمضي كما مضت سابقاتها.

يعيد التفاوض الجاري الآن إلى الواجهة الحديث عن هذا الموضوع الشائك، لا شك أن الجيش الحر واقع تحت ضغوط شديدة يمارسها عليه النازحون الذين أعياهم التشرد وأتى على ما كانوا قد ادّخروه ليومهم الأسود، كما أن الجيش الحر واقع تحت ضغط حصار شديد جعل من الحصار الصهيوني لغزة نعيمًا مترفًا، وأخيرًا هو واقع تحت ضغط التشرذم المريع لفصائل المعارضة، فضلًا عن انسداد الأفق السياسي والعسكري، الأمر الذي جعل المناطق تعقد الهدن مع نظام الأسد كأنها دول مستقلة، كما أن امتداد الحرب والقهر سيهيئ التربة أكثر وأكثر لبروز داعش وأشباهها، كل هذا يدفع الجيش الحر للقبول بهدنة وإن كانت بشروط النظام، ومن ناحية أخرى يتعرض الجيش الحر لضغط الشهداء ومئات المعتقلين وتضحيات هائلة قل نظيرها؛ الأمر الذي يدفعه باتجاه الإصرار على شروط قوية مهما كلف الأمر.

لا شك أن الجيش الحر عليه أن يختار ما أحلاه مر، ولا شك كذلك أن التوازن في زمن العدمية هو أصعب الخيارات، ووفقًا للمعطيات فلا مجال أمام الجيش الحر ليتجاوز الهدنة في مدينة داريا للأسف، الهدنة ستتيح للنازحين أن يلتقطوا أنفاسهم وتتيح للجيش الحر أن يجهز نفسه ويعيد ترتيب صفوفه من جديد، وستتيح للنظام كذلك.

هنالك مخاطر عديدة تكتنف الهدنة، خاصة أن الظروف تفرض على المناطق أن تخوضها منفردة، ليس أقل هذه المخاطر مخاوف التطبيع مع النظام وتحميل الأهالي الجيش الحر مسؤولية كل ما حدث من دمار، عدا عن غدر النظام المعهود، ومحاولات النظام شق الصف الداخلي من خلال الهدنة بين رافض ومؤيد لها، وهذا كله لا يمكن تجاوزه إلا بوحدة الصف الداخلي على مستوى المنطقة، إذا كان التنسيق على المستوى الوطني متعذرا، ومن ثم القيام بحملات إعلامية تستهدف الأهالي لتوضيح الحقيقة لهم، والوقوف الإعلامي صفًا واحدًا خلف الوفد المفاوض عن مدينة داريا.

الهدنة خيار صعب ولكنها ضرورية في معركة قدّر لها أن تستمر لسنوات.

تابعنا على تويتر


Top