مركز الهجرة والجوازات في دمشق … الموظفون “يتركون قلوبهم وإنسانيتهم على باب المبنى قبل أن يدخلوا”

333.png

عنب بلدي – العدد 134 – الأحد 14/9/2014

333هبة الأحمد – ريف دمشق

استيقظت أم صلاح صباحًا وركبت سيارة أجرة متجهةً إلى “ركن الدين” حيث يقع مركز “الهجرة والجوازات” في دمشق، استقبلها مشهد أفواج الناس المزدحمين على “الطوابير” بعضهم يحتشد على باب البناء الرئيسي، والآخر بمحاذاته على فرن الخبز، وآخرون على مقربة منهم إلى الخلف واليمين من البناء لاستلام الجواز.

الوقت مبكر، والناس يتسابقون مع الصباح لإيجاد موطئ قدمٍ لهم في هذا المكان، اتجهت أم صلاح إلى الكوة التي يسمونها “كشك” لتستلم رقمها فوجدتها مغلقة، الساعة تشير إلى الثامنة والنصف واللافتة تشير إلى أن دوام الموظف يبدأ في الثامنة.

على مقربة من الباب الرئيسي تنتصب شاشة كبيرة، يعلوها مكبران صوتيان، ينادى بهما على الأرقام ليدخل أصحابها ملتزمين بالدور، لكن الشاشة تستغرق نصف ساعة في أحسن الأحوال حتى تبدأ بالعمل، وتتوقف أثناء انقطاع التيار الكهربائي، وبعد قليل من عملها تتوقف عند رقم من الأرقام لتبدأ بالتكرار: رقم 17 شباك اثنان، رقم 17 شباك اثنان.. فتعيق النظام وتوقف الدور بدلًا من تسييره.

في الفسحة أمام المبنى يوجد أربعة مقاعد مهترئة للانتظار، وعلى اليمين والشمال يفترش الناس الأرض أو يجلسون على كل ما له سطح، أو ينتظرون واقفين في مشهد يجسد البؤس والشقاء.

يتدافع الناس غير آبهين للشاشة التي تكرر الرقم ذاته منذ نصف ساعة على الباب الرئيسي، فيصدهم الحراس بالشتائم والتهديد أو الركلات والصفعات، قائلين “أنتم رعاع لا تحترمون القانون والنظام”، ليجيب أحد المراجعين بكلامه الحاد “نحن نحترم القانون عندما يحترمنا”.

المبنى مؤلف من غرف عديدة موزعة على طوابق، تفتقر إلى التنظيم وتفوح منها رائحة الأوساخ ويضيق فيها التنفس، الموظفون غاضبون ومحتقنون أكثر من المواطنين، وكلاهما لا يجد لتنفيس غضبه سبيلًا إلا التهكم وشتم الآخر، وحين يغضب الموظف يغلق بابه ويتوقف عن عمله.

يقول أبو مهند (اسم وهمي)، الموظف في الهجرة والجوازات “الازدحام قاتل ونحن نعمل ليلًا ونهارًا والناس لا يلتزمون بالدور ولا يردعهم الكلام”، ويضيف “في السابق كنا نصدر 300 جواز يوميًا، اليوم نصدر من 1000 إلى 1300 جواز سفر، ونستقبل ألوف المواطنين”. وتعقيبًا على “القذارة” التي تلف المركز يقول أبو مهند إن العمال يقومون بتنظيف المبنى باستمرار، “لكن الناس لا يكفون عن إلقاء الأوساخ”.

أبو يحيى الجوبري أتى بسيارة أجرة متّكئًا على عصاه الخشبية ومستندًا على ذراع ابنه، لكن الموظف رفض أن يدخله حتى يصل دوره، توسلت أم يحيى للموظف بمرض زوجها وعدم طاقته وبقولها أن أوراقه كلها جاهزة تمامًا والأمر متوقف على مطابقة الصورة مع هوية الرجل، لكنه رفض إلا أن يلتزم “بالدور والقانون”. تقول أم يحيى إن هؤلاء الموظفين “يتركون قلوبهم وإنسانيتهم على باب المبنى قبل أن يدخلوا”.

لكن الموظف يقول “أنا مسؤول أمام القانون عن الدور ولا يمكن أن أخرقه من أجل وضع فلان وعلتان”، ويضيف “كتر خيرنا اللي عم نعمللكن جوازات بعد اللي عملتوه بهالبلد” تعقيبًا على أبي يحيى.

أم صلاح، سيدة أخرى، خرجت منهكة بعد انتظار دام 7 ساعات، أخبرها الموظف أن تعود بعد تسعة أيام لتستلم جواز السفر، همست في أذن جارتها “لو أن الأمر يتم عبر الإنترنت لما كنا تكبّدنا كل هذا العناء”، لتضحك جارتها ساخرةً “أن يعود لي منزلي الذي أكله الحريق وزوجي الذي ابتلعته الحرب أقرب إلى التحقق من مُناك المستحيلة تلك”.

استوت الشمس في كبد السماء وارتفع صوت الصراخ واستمر كابوس معاناة الحصول على جواز السفر، دفن أبو يحيى وجهه بين كفيه واستند على قلة حيلته وعكازه منتظرًا دوره، وقد قرر الهجرة، وكأن الوطن يضنّ على أبنائه بمعاملة كريمة حتى وهم على أبواب الرحيل، وكأنه لا يريد أن يترك لهم سببًا للتردد والتفكير قبل أن يحزموا أمتعتهم ويغادروا.

تابعنا على تويتر


Top