إرادة الحياة تكسر قبضة الحصار … داريا: وسائل بديلة لاستمرار الحياة في المدينة

DSC_0318-2-copy.jpg

عنب بلدي – العدد 134 – الأحد 14/9/2014

الزراعة في المناطق المحاصرة - داريا

الزراعة في المناطق المحاصرة – داريا

عنب بلدي – داريا

“لن نقف مكتوفي الأيدي ننتظر الموت، سنقوم بزراعة أراضينا حتى نستمر بالحياة ونرفع معنويات الأهالي”.. بهذه الكلمات يعلن أبو عمر تحديه للظروف التي تمر بها داريا إثر الحصار الذي تتعرض له منذ أكثر من 22 شهرًا، لافتًا إلى عودة الأمل للأهالي الذين بدؤوا مؤخرًا باستثمار الأراضي الزراعية في المدينة، مستخدمين وسائل بدائية في فلاحة الأرض.

فرضت ظروف الحصار التي أطبقها نظام الأسد على بعض المناطق المنتفضة ضده، نقصًا شديدًا في مقومات الحياة الأساسية، ما دفع أهلها وناشطيها إلى ابتكار طرق جديدة لكسر الحصار كزراعة المحاصيل الموسمية وصناعة عقاقير طبية من مواد خام، إضافة إلى تطوير أجهزة تقوية لشبكات الاتصال والإنترنت.

مدينة داريا، التي تبعد 10 كيلومترات غرب العاصمة دمشق، طوقتها قوات الأسد نهاية عام 2012، مجبرة 250 ألف نسمة على النزوح، ليبقى فيها قرابة 6 آلاف مدني بينهم مقاتلين في الجيش الحر وناشطين معارضين.

ولم يكتف الأسد بمنع سكانها من العودة، بل حرم المحاصرين داخلها من إدخال المواد الغذائية والأدوية والمعدات الطبية، تزامنًا مع قصف عنيف استهدف أحياء المدينة، خرّب شبكات الكهرباء والري والاتصالات.

وبعد 7 أشهر من الحملة العسكرية، بدأت المواد الغذائية بالنفاد، سواءً من البيوت أو المحلات التجارية المهجورة، التي دخلها المحاصرون بإذن أصحابها أو بدونه في كثير من الأحيان، ليقتصر غذاؤهم على الوجبات التي يقدمها المكتب الإغاثي في المجلس المحلي للمدينة، وغالبًا ما اعتمدوا على وجبات الرز وثمرة اليقطين التي نبتت في الأرض تلقائيًا.

لكن الوجبات التي خلت من “الدسم” لم تسد حاجة جميع أهالي المدينة، فلجأ الشباب في فترة الحصار الشديد لأكل بعض الثمار اليابسة تحت الأشجار، محاولين الاستفادة من الحشائش والأشواك، وسط غياب الخبز وصعوبة الحصول على الطعام، بحسب أبي عمر.

المحاصيل الموسمية كالسبانخ والجرجير كانت الملاذ لمزارعي المدينة لاستدراك النقص الحاد في الأغذية وليعوضوا بعض الطاقة التي تمكنهم من التحمّل، فلجأوا لزراعتها بكميات كبيرة، ووزعوها على المحاصرين “ولو بكميات قليلة” كما يقول أبو عمر. لكن التحدي أمام عملية الزراعة هو استنزافها لمخزون المحروقات، ما جعل الفلاحين يلجؤون إلى الأدوات البدائية مستعيضين بعضلاتهم عن الجرارات الزراعية التي اعتادوا استخدامها.

وبعد توقف شبكات الكهرباء بشكل كامل منذ الأيام الأولى للحملة العسكرية على المدينة، اعتمد المحاصرون على المولدات التي تعمل بالوقود، لكن الكميات القليلة التي توفرت من المحروقات دفعتهم للبحث عن حلول توفر الاستهلاك، فبدأت مقرات الكتائب المقاتلة بتشغيل المولدات بتوصيل خارجي جديد، بدل التوصيل الداخلي الذي يستهلك التيار الكهربائي بأسلاكه الطويلة والمتشعبة، لتصل الكهرباء بقيمة 5 آمبير للبيت الواحد.

وفي بعض المنازل والمكاتب الإعلامية ركبت “ليدات” للإنارة، وهي عبارة عن “لمبات ليزرية” تشحن بتوتر 12 فولط فقط عبر شواحن خاصة لا تستهلك البطارية بسرعة، إذ تستمر في الإضاءة 5 أيام. في حين صنع بعض العاملين في مجال تمديد الكهرباء عواكس توصل ببطاريات السيارت، التي تعمل على “أكسدة الرصاص”، لتحويل التوتر من 12 فولط إلى 220، كما يصف أحد ناشطي المدينة، وتستخدم هذه الطريقة لشحن الهواتف الجوالة واللاسلكيات والمراوح وأجهزة استقبال وإرسال شبكة الإنترنت.

أما شبكة الاتصالات الخلوية فهي غير متوفرة في المدينة منذ الشهر الثالث على الحملة، إذ أعطب القصف جميع أبراج الشبكة، لتبقى بعض الإشارات التائهة من المدن المجاورة تحوم فوق الأبنية العالية، إلا أن الصعود إلى تلك الأسطحة، المرصودة من قناصي الأسد، شكل خطرًا على الحياة وجعل الحصول عليها أشبه بمغامرة.

وبحسب أبي مجاهد، أحد أعضاء المكتب الإعلامي في المجلس المحلي، فإن “الحاجة الماسة للاتصال بالخارج للتواصل ونقل معاناة الداخل، دفعت لابتكار وسيلة توفر الاتصالات والإنترنت للمدنيين والمقاتلين المعزولين عن ذويهم”، وقد نجح بعض الناشطين بالوصول إلى تقنية تقوي الاستقبال في جهاز المودم الخاص بالـ 3G. وتعتمد التقنية على وسائل بسيطة تتضمن غطاء وعاء نحاسي موصول بكبل كهرباء يوصل بجهاز المودم، ويوجه إلى شبكات الـ 3G في المدن المجاورة.

وفي الجانب الطبي عانت المدينة من توقف مشافيها الأربع عن العمل. لذا لجأ الفريق الطبي إلى مشافٍ ميدانية، لكن الفريق عانى من نقص في الخبرات والأطباء الاختصاصيين، ورغم ذلك حاول الكادر الطبي، الذي تدرب على الإسعاف وبعض العمليات البسيطة، استدراك النقص والإلمام بطرق بديلة. وقد استطاع العاملون في المشفى تصنيع السيروم عبر طريقة بدائية، قوبلت بانتقادات حادة في البداية كونها حساسة وخطرة، وربما يودي الخلل في تركيزها بحياة المريض، لكن السيروم المصنع حديثًا كان “عقيمًا” وحل مكان السيروم الصناعي، بحسب أنس، الذي عمل في المشفى الميداني لمدة 6 أشهر. كما أن العمليات الجراحية شهدت تطورًا ملحوظًا منذ بداية الحملة، إذ كانت الإصابات الوعائية تعالج غالبًا ببتر العضو المصاب، إلا أن بعض الأطباء تمكنوا بالتعليم الذاتي من إجراء عدة عمليات وعائية ناجحة.

ويتحدث الناشط محمود أبو خالد عن صورة أخرى من أشكال “المقاومة المدنية”، وهي استمرار حالات الزواج داخل أحياء المدينة. ورغم الظروف الصعبة التي تحيط بالعروسين وابتعاد الأهل عنهما في أغلب الحالات، إلا أنّ مراسم الزفاف تشهد فرحةً كبيرةً وحشدَا للأصدقاء والمحبين، لا تخلو من “العراضة الشامية”.

ويعتبر الناشط أسامة أبو زيد، المقيم في تركيا، أن حالات الزواج هذه، وعددها فاق المئة، تبرهن أنه “لا نية عند شباب المدينة للتراجع، وأنهم لم يفكروا بالهرب من الحصار ليحققوا أحلامهم مع الشريك”، بل تعدى ذلك في بعض الأحيان إلى دخول الخطيبة إلى المدينة “ومشاركة الشاب حلمه الأول بالحرية والكرامة”، مردفًا “أعتقد أن شباب داريا كسروا الحصار المعنوي والعاطفي”.

وبعد توقف مدارس المدينة عن العمل جراء الضرر الذي لحق بها وتهجير كوادرها، تمكن المجلس المحلي (قبل عامٍ تقريبًا) من افتتاح مدرسة في أحد الأقبية بإمكانيات متواضعة وتأمين مستلزماتها، بالتعاون مع بعض المدرسات اللاتي فضلن البقاء في المدينة. وقد أبدى معظم الأهالي تفاعلهم مع كادر المدرسة، ووصل عدد الطلاب الذين استفادوا منها خلال العام الماضي إلى أكثر من 200 طالب؛ تقول والدة الطالب محمد “سننتصر بالعلم والعمل، ولن نترك فرصة للجهل ليتسرب إلى أطفالنا”.

كما أن الطلاب أبدوا “فرط” نشاط وتفاعلًا مع الأنشطة والبرامج الترفيهية، بعد انقطاع دام عامًا كاملًا، بحسب إبراهيم أحد المشرفين على المدرسة.

هيثم، تلميذ يبلغ من العمر 11 عامًا، وجد بين حطام أحد المنازل شعيرية سريعة التحضير “noodles” خلال الفترة الجائرة من الحصار، إلا أنّه فضل إحضارها إلى المدرسة ومشاركة أصدقائه فيها على أن يأكلها لوحده. لتنتقل ثقافة “التكافل والمشاركة والإيثار” إلى الأطفال، بحسب إبراهيم، الذي أضاف أن “جيلًا يملك هذه الصفات لابد أن يبني بلده المنهارة ويجعلها من الدول المتقدمة في المنطقة”.

بلغت فترة الحصار على داريا ما يقارب السنتين، سقط خلالها ما يزيد عن 1000 شهيد، لكن ذلك لم يكسر “إرادة وثبات” أبناء المدينة، كما يقول أبو قصي، وهو مقاتل في صفوف المعارضة، وعزا أبو قصي الاستمرار في “الصمود” بوجه الأسد، إلى “العقلية التي لا تعرف الانسحاب أو الاستسلام”، خاتمًا “رغم الإمكانيات الضئيلة ستسمر الحياة”.

تابعنا على تويتر


Top