يمين يسار.. يسار يمين

10706387_617870534997466_1958224643_n.jpg

عنب بلدي – العدد 134 – الأحد 14/9/2014

10706387_617870534997466_1958224643_nبيلسان عمر

قضاء وقدر، هيك الله راد، مو بإيدنا، هو الفاعل، خارج عن سيطرتنا، هكذا وجدنا آباءنا لها فاعلون، أو ربما خطأ مطبعي أو تقني، بل وأكثر مؤامرة كونية، وفي أكثر المرات سخرية واستهزاء قد يقال عمره ما حدا يرث، طنشوا ما حدا آخد معه شي، العمر بيخلص والشغل ما بيخلص، طنش تعش تنتعش.. كلها مرادفات تستخدم لتبرئة الذات ورفع أصابع الاتهام لذاك المجهول أو ربما الآخر القابع خارج ذواتنا، مع مزيد من نفخ بالون «الأنا» لدينا، وتقديس أفعالنا، متغافلين أن هذه المصطلحات تعني أننا ألعوبة بيد أحدهم يحركنا كيفما يشاء، إن يمينًا فيمين، أو يسارًا فيسار، والأخيرة منها تستخدم لمنع أي جدل قائم يبحث عن الحقائق والأسباب، ويدعو بهذه الطريقة إلى إيقاف سؤال العقل.
ومع كل ذلك، فلن نتحدث اليوم عن الاستمرار في لعب دور الضحية، دور المستضعف المقصود من كل جبهات العالم، بل دعنا نتكلم عن تجاوز تلكم العقبات التي تضعها لك هذه الجبهات، وعن طرقك الفعالة لاجتيازها بأقل خسائر ممكنة، أو ربما بزهيد من نجاحات مصطنعة، فلك أن تستجمع كل طاقاتك لتجتاز صعب الأيام، وعندها لن يجرفك التيار، وستذهب يمينًا إن ذهب هو يسارًا، أو يسارًا إن فعل هو العكس، إذ ستجد أشخاصًا يتفننون في طرق لتفريغ انفعالاتهم، وعدم كبت مشاعرهم في مثل هذه الأوقات.
ولنا في أحدهم عبرة، فقد اعتاد أن يجمع لأولاده الكثير من الأحاجي والفوازير المضحكة ويتحلقون حول أجسادهم التي أنهكتها رحى الحرب، وما إن يشتد القصف حتى يزيد من سرعة قراءته لمثل هذه الفوازير، محاولًا أن يجعل صوت ضحكات أولاده يعلو صوت البارود والمدفع بل وحتى الميغ، بينما تحاول سيدة أخرى أن تجمع أولادها في إحدى زوايا المطبخ، ويمسك كل واحد منهم بملعقة وشوكة وصحنًا وكوبًا، ويمثلون دور فرقة موسيقية، تعزف بأدوات بسيطة يملكها كل أطفال الحي، ويغنون ما لا يخطر على بال أحد يرزح تحت نيران الحرب، في حين اختار أحدهم الرسم والتلوين والقراءة وكذلك الكتابة وسائل لتفريغ مشاعر أولاده الانفعالية الصعبة في مثل تلكم الأزمات، بينما ارتأت سيدة أخرى الرقص والرياضة أو ربما الغناء وسيلة لمزيد من التفريغ، فللفرح بنظرها طاقة حتى في أحلك الظروف، وربما التمثيل هو الآخر وسيلة جيدة، ولكن لا تنسى أن تعود لشخصيتك «وما تعملش نفسك عبيط» إذ تجمع الأم مزيدًا من قصاصات الثياب، وتصنع بها وأبناءها ألعابًا ودمى متحركة، وتعلمهم كيف يفرّغون مشاعرهم، وتسعى جاهدة لإيصال أفكار بنّاءة بمثل هذه الأوقات الحرجة، ولكن بطريقة سلسة ومحببة لهم، وقد تتوسط الجدة أكوامًا من لحوم أحفادها المرتصة كمتاع في ممرات الأقبية والملاجئ، وتروي لهم قصصًا عن الحب والحرب، عن قيس وليلى، عن المهلهل والزير سالم، عن الوطن وحق العودة، عن شجر الليمون وبيّارات البرتقال، عن صمود كل زهرة وتفتحها لتنثر المزيد من الشذا، ومنهم من يلجأ إلى استخدام وسائل التواصل الاجتماعي ليملأ وقته، أو لتمارين الاسترخاء العضلي منه أو الفكري، أو لربما السياحة مع الخيال في عالم آخر لا يضج بأنين جرحى، ولا بآهات ثكالى ويتامى، ولا ننسى المرات التي استخدم فيها النوم للهروب من الواقع، أو حتى النوم والعيون مفتوحة، فلنسمه التطنيش –إن صح التعبير-.
ولك –بل ولنا جميعًا- الحق في فعل كل ما سبق، دون أن ننسى أنه ليس من حقنا استخدام مثل هذه الوسائل كطرق للانفصال عن الواقع، ولا التماهي في إلقاء أنفسنا إلى التهلكة بأجسادنا أو أفكارنا أو حتى أحلامنا، فلنا أن نجاهد أنفسنا حق الجهاد فلا نطحن أنفسنا برحى الحرب، وبالوقت ذاته لا نقف مكتوفي الأيدي وكأنها حرب على أناس من كوكب آخر.

تابعنا على تويتر


Top