«رسائل الأمل» … حيطان تتحدى الحصار

-الأمل-...-حيطان-تتحدى-الحصار-3.jpg

لمى الديراني

بعد أن حولت الحملة العسكرية الأخيرة على داريا المدينة إلى أكوام من الأنقاض، وهجرت معظم سكانها وشردتهم ما بين نازح ولاجئ، أثبتت القلة الصامدة في المدينة تمسكًا لافتًا بالأرض، ودفاعًا وقف في وجه آلة الحرب رغم الحصار والجوع والموت. وبعزيمة لم تقو براميل الأسد على قتلها، نبتت أيادٍ ترسم الأمل بوطن سيعود لا محالة، وجدت في الجدران والأسقف المهدمة فضاءً للتعبير ومساحات للإبداع.

  • الحصار يولد الإبداع

«كنت دائمًا أرسم على جدران نقطتي (نقطة الحراسة) بعض اللوحات في أوقات الفراغ، فشاهدها أحد أعضاء المركز الإعلامي واقترح أن أرسم بعضها على جدران داريا المهدمة».

هذا ما يقوله أبو مالك الشامي (20 عامًا)، عن حملة الرسم على الجدران المهدمة، التي بدأها مع أصدقائه في داريا قبل أشهر، بهدف إيصال رسائل المدينة المحاصرة إلى الخارج، عبر لوحات تعبر عن صمود الشباب المحاصرين وتعكس أفكارهم.

«عندما التقيت بأبي مالك، أدركت أن لديه موهبة لا يجب أن تبقى في الظل»، يقول مجد صديق أبي مالك ورفيقه في مشروع الرسم على الجدران، مضيفًا أن صديقه واجه ترددًا في البداية خشية أن يحسب على أحد الأطراف العاملة في داريا نظرًا لحالة الاستقطاب التي تعيشها المدينة، فقررا المضي في المشروع مع فريقهما بشكل مستقل وتوقيع اللوحات باسم «داريا»، محاولين تجاوز التحدي الأساسي في نجاح العمل متمثلاً في ابتكار الأفكار الإبداعية، وتوفير المستلزمات المادية كالدهانات وأدوات الرسم، إضافة إلى المواد المذيبة.

  • لكل لوحة حكاية

«الحب في زمن الحرب»، هي الفكرة الأولى التي رسمها أبو مالك على سقف مهدم في داريا، وهي لوحة منقولة عن الفنان عمران الفاعور، لها تأثير كبير وعميق يحمل في طياته رسالة للمعارضة السورية مفادها: «أحبوا بعضكم البعض».

«قررنا أن تكون الأفكار بسيطة وفي الوقت نفسه تعبر عن معاناتنا وألمنا، خصوصًا بعد مرور عامين على الحصار، فكانت أول لوحة من خيالنا فكرة المدرسة»، وهي من وحي المدينة بحسب مجد، الذي أضاف: «فكرة صغيرة أبدعت هذه الرسمة، عندما كنا صغارًا كنا نتمنى أن تنهد المدرسة وهاهي قد دمرت اليوم! كنا قد تمنينا شيئًا وتحقق! إلا أنها ليست الأمنية التي رغبنا بتحققها».

«ربينا سوا» هي لوحة أخرى يعمل عليها الشامي، وفيها شابان أخوان تربيا ودرسا معًا، ثم جاهدا سوية، ليستشهد أحدهما تاركًا الآخر، وهي تلخص معظم حكايات البيوت السورية اليوم، وقد رسمت على جدار قريب من مقبرة شهداء داريا، في رسالة موجهة إلى أهالي المدينة، الذين فقدوا معظم أبنائهم.

وعن عمر الفاعور نقل الشامي ورفاقه لوحة وأجروا عليها تعديلاتهم، فكانت القذائف «مزهريات» والشظايا «ورود» في تعبير عن العيد الذي بات المحاصرون يحلمون بقدومه.

«ورودنا لمن سقاها بدمه»، «أمل»، هي لوحات أخرى تزامنت مع ذكرى مجزرة داريا الكبرى، وجسدت حال المدينة بعد سقوط أكثر من 1000 شهيد.

ومع اقتراب موسم الدراسة، بقيت داريا محاصرة دون مدارس، فاستلهم الفريق من لوحة للفنان هاني عباس، لوحًا مدرسيًا كتب عليه: اليوم، الحصة، الموضوع. وزاد من تأثير اللوحة وجود طفلين من داريا فوق مقاعد الدراسة في صف مهدم، لتصبح الجدارية رسالة للعالم تنقل معاناة الأطفال المحاصرين الذين ضاع مستقبلهم.

لم تكن رسائل الشامي وفريقه موجهة إلى الخارج فحسب، فلوحة «استخدم عقلك» التي ساعدهم بها الفنان عباس، كانت رسالة مباشرة للمقاتلين في المدينة، توجههم لتحكيم العقل والتغلب على مشاعر الغضب وحب الانتقام.

في حديث أبو مالك مع عنب بلدي، ذكر أنه يواجه مشكلة تتعلق بالجهة التي ستتبنى العمل وتقدم الأفكار، «فالمنبران الإعلاميان في داريا ساعداني، لكني أكدت لهم استقلالي وتعاوني مع الجميع»، وهو يتمنى أن تأخذ أعمال فريقه فرصتها في الانتشار الواسع، وأن يستطيع نقل الرسالة الحضارية لمدينة داريا. فيما أكد مجد أن الإعلام لا يقتصر على تصوير مقاطع الدمار أو القصف ونقل الأخبار، فهو يحوي عدة أوجه يمكن أن يبدع فيها المرء، وإحدى المجالات التي نختبرها في داريا «رسائل الجدران».

تابعنا على تويتر


Top