السخرية .. سلاح ذو حدين

650_433_01355642011.jpg

 عنب بلدي – العدد 135 – الأحد 21/9/2014

650_433_01355642011هبة الأحمد – ريف دمشق

يرجع الأدب السياسي والاجتماعي الساخر إلى تاريخ مديد قبل الميلاد، مدونًا في أدب الكوميديا الإغريقية، وواضحًا في فلسفة أرسطو وغيرها وشديد السطوع في فلسفة سقراط الساخط الساخر.

وفي مسيرتها الإنسانية، رافقت «السخرية» المجتمعات كسلاح ناعم في وجه البؤس والظروف القاسية والديكتاتوريات المتجهمة التي لا يمكنها قمع ما يتداول بهذه الطريقة، مما يساهم في كشف ازدراء الناس لجبروتها بالوسائل المتاحة.

تأتي قوة السخرية والدعابة من كونها تنتشر بشكل أكبر وأسرع من الكلمات والخطابات لأنها توضح المشكلة بشكل ذكي وبسيط ومضحك. ومن كونها عصيّة على الملاحقة وأكثر حرية إذ إنه من الصعب معرفة من أطلقها لاعتقاله، حيث يصفها فرويد بأنها «تتفادى القيود وتتخطى العقبات وتفتح في وجوهنا أبوابًا للبهجة كانت موصدة دوننا».

ومن كونها أداة للسيطرة على الخوف، حيث تقول الدراسات: إن أفضل عدو مدمّر للخوف هو الضحك، وإن الخوف والضحك لا يجتمعان في قلب إنسان إذ إن الإنسان لا يمكن أن يخاف مما يضحكه، حيث يطلق الضحك من القلب في الجسم مواد كيميائية مضادة للخوف.

ففي حين تقوم الديكتاتوريات بفرض هيبتها عن طريق تشييدها لامبراطورية الرعب، تقوم النكتة بإحداث ثقب في الجدار، (فالنّكتُ خَرقٌ بحسب العلامة ابن منظور في لسان العرب) والنّكتة اختراق وتجرؤ.

عبر التاريخ، تجد الديكتاتوريات والأنظمة الظالمة تخاف من الضحك وتخشى السخرية، لأنها تعرف أن السخرية بالإضافة لقدرتها على اختراق حاجز الخوف، فهي تؤدي بتراكمها الكمي إلى ظهور الفعل الكيفي أو النوعي، وهو المقاومة! يعبّر عن ذلك شكسبير بقوله «السخرية من الحاكم بداية الثورة عليه»، لذلك لا تتسامح الديكتاتوريات مع الضحك ولا تتورع عن التنكيل به، ولعل اغتيال فنان الكاريكاتور ناجي العلي، والعدوان على علي فرزات، وإيقاف برنامج باسم يوسف أمثلة على ذلك.

حمل الواقع السوري نماذج كثيرة ساخرة سبقت الثورة ورافقت ولادتها ومهدت لها واستمرت معها، لم تكن أولها كفرنبل ولافتاتها الساخرة اللاذعة، ولا هتافات أهالي حمص في المظاهرات، ولا إبداعات الفنان علي فرزات، أو الكم الكبير من السخرية بعد أي خطاب رسمي، وكان لهذه النماذج بالغ الأثر في كسر حاجز الخوف.

لكن على الرغم من كون النكتة، والفكاهة، والدعابة، والسخرية أدوات ثورية تخيف السلطان وتقلق الأنظمة إلا أنه لا ينبغي المبالغة في تقدير دورها، فهي شيء مختلف عن الحراك الاجتماعي والشعبي وإن كانت جزءًا لا يتجزأ منه، لكنها تحت أوضاع سياسية واجتماعية معينة من الممكن أن تنقلب إلى الضد، فتتحول من سلاح بيد الجماهير إلى وسيلة لامتصاص غضبها وإرضاخها.

فالمستبد المستنير يعلم بديهية فيزيائية وإنسانية تقول ببساطة «الضغط الدائم يولد الانفجار».

لذلك تجده يسمح بمرور النكتة –حتى لو كانت موجهة نحوه– ويسخّر السخرية والفكاهة في خدمة مآربه السياسية كنوع من التنفيس عن المرجل الذي يغلي تحت وطأة المظالم السياسية والاقتصادية والمشكلات الاجتماعية الجمّة، والتكريس لثقافة الخوف واللامبالاة والتعود على الفساد واستمرائه عن طريق رؤيته بشكل هزلي، كما في بقعة ضوء، مرايا، ومسرحيات دريد لحام، التي كانت تبدو تمردًا على السلطة أو تعبيرًا عن الحرية الفكرية ولكن إنتاجها في الحقيقة يتم بمباركة السلطة وعلى مرأى منها.

فتتحول السخرية إلى عادة يومية تجعل الشعب يستمرئ البؤس ويعتاد المعاناة، ويصبح التندّر والضحك وتداول النكات هو أكثر ما يمكن فعله تجاهها، فتنشغل الأذهان عن مواجهة المعاناة إلى التفكه بها وعن الثورة على الأوضاع إلى الثرثرة عنها.

تابعنا على تويتر


Top