من حق الطفل أن يتعلم

-الدمشقية-البديلة.jpg

عنب بلدي – العدد 136 – الأحد 28/9/2014

المدرسة الدمشقية البديلةهيثم أبو طالب

يُجمع أطفال مخيم اليرموك في دمشق على تعريف موحد للصباح داخل المخيم بأنه “استيقاظ مبكر يترافق مع إرسال الشمس أولى خيوطها، وارتداء الزي المدرسي ذي اللون الأزرق القاتم على عجلٍ، ومن ثم اجتياز شوارع وأزقة المخيم مع حَمل أو جر الحقيبة المدرسية المليئة بالكتب والدفاتر، وصولًا الى المدرسة ومن ثم ممارسة بعض التمارين الرياضية على صوت الأغاني الوطنية لمسح السبات عن أعينهم الناعسة، ليعلنوا بذلك عن بدء نهار دراسي جديد بكل نشاط وحيوية”

لكن هذا التعريف لم يصمد طويلًا لأطفال المخيم، فقد ظلت هذه الطقوس الصباحية سارية المفعول في رحاب المخيم حتى وصول رياح الحرب الدائرة في سوريا إليه منتصف كانون الأول من العام 2012 واستقرارها بداخله، عاصفة بكل أوجه الحياة الإنسانية، جاعلة من المخيم مثالًا يحتذى في الحديث عن الساحات الحربية، ما أدى إلى تأثر القطاع التعليمي بشكل مباشر منذ الأيام الأولى لوصول تلك الرياح، فتوقفت عجلة التعليم في مدارس المخيم والتي يبلغ عددها 29 مدرسة تابعة للأونروا و8 مدارس حكومية موزعين على أنحائه. بعد استهدافها وإلحاق الدمار بالعديد منها قامت مؤسسة الأونروا بإيقاف مبادراتها التعليمية بذريعة “المخاوف الأمنية على الطلاب والمدرّسين” لحماية أرواحهم في ظل المعارك اليومية المستمرة. حيث اضطر أكثر من 30 ألف طالب من كافة المراحل الدراسية إلى التخلي عن مدارسهم في ظل الظروف التي كانت راهنة في تلك الفترة، وبعد نزوح قسم كبير من أهالي المخيم بسبب ضراوة القصف واشتداد المعارك بقي في المخيم حوالي 200 ألف مدني منهم ما يقرب 7 آلاف طفل كانوا بحاجة ماسة إلى الالتحاق بالعام الدراسي الجاري، والذي كان مايزال في النصف الأول منه، ما وضع الناشطين والعاملين في مؤسسات العمل الأهلي محل مسؤولية كبيرة أمام هؤلاء الأطفال. ومن منطلق “حيث تُوجد الإرادة توجد الوسيلة” بدء المعنيون في هذه المؤسسات بالبحث عن حلول بديلة حفاظًا على مستقبل هؤلاء الأطفال، لتكون الإرادة وقودًا لهمة الناشطين ليطلقوا بعد فترة قصيرة مشروع “المدرسة البديلة” بالتعاون مع بعض المدرسين الذين تطوعوا خدمة لنجاح هذا المشروع، حيث كانت مدرسة “السمو” أولى تلك المدارس في المخيم، والتي قدمت خدماتها التعليمية لمرحلة الابتدائي، وقد افتتحت بالرغم من جملة المصاعب العديدة، انطلاقًا من توفير مكان آمن بعيد عن مطر القذائف ومشاق الحرب الأخرى إلى توفير الوقود لإضاءة ذلك المكان، والذي كان عبارة عن صالة للأفراح داخل أحد الأقبية، بالإضافة إلى شح في المواد اللوجستية من مقاعد طلبة مرورًا بالمستلزمات التعليمية إلى تأمين الكتب والحقائب الدراسية للأطفال والعديد من الأمور الأخرى في ظل حالة الحصار التي فرضت على المخيم، وبعد نجاح التجربة الأولى تم توسيع المشروع ليشمل افتتاح أربع مدارس أخرى، ثلاث منها لمرحلتي الابتدائي والإعدادي بقدرةٍ استيعابية وصلت لحوالي ألفي طالب ذكورًا وإناثًا، وواحدة للمرحلة الثانوية تضم ما يقرب مئتي طالب (ذكورًا واناثًا)، ولم يقتصر الأمر على هذا فافتتحت روضتان للأطفال بين عمر 4-6 سنوات تضم أكثر من 180 طفلًا من الذكور والإناث، وقد فَتحت تلك المدارس أبوابها بوجهِ جميع أطفال المناطق المجاورة، كما تم تسجيل عدد لا بأس به من الأطفال على غرار منطقة الحجر الأسود ويلدا، ليكون بذلك مخيم اليرموك صاحب التجربة الفريدة الأولى في المنطقة الجنوبية الدمشقية ليتبعه بعد ذلك منطقة “يلدا” بأولى المدارس البديلة، وتم تجهيز جميع هذه المدارس من قبل المؤسسات الأهلية مستعينين ببعض اللوازم من بقايا المدارس محاولين ترميم ما يمكن الاستفادة منه وتوظيفه في المدارس البديلة.

لم يكن تنفيذ المشروع وتطويره بالأمر الصعب على أبناء المخيم بحكم حالة “حب الحياة والإصرار على استمرارها” التي ولّدها الحصار، بقدر ما كانت الصعوبة بجلب اعتراف من قبل وكالة “الأونروا”، وهي المسؤولة رسميًا عن العملية التعليمية للأطفال الفلسطينيين حتى انتهاء المرحلة الإعدادية، بشرعية هذه المدراس والاعتراف بها كبديل عن المدارس الأصلية، فقد رفضت “الأونروا” في البداية هذا المشروع بالرغم من أن المنهاج الذي يُدرّس للأطفال هو نفسه الصادر عن وزارة التربية السورية، فقد اعتبرت أن العملية التعليمية لا تجري بالطرق السليمة في تلك المدارس دون أن تقدّم أي بدائل فعلية لتلافي النتائج المترتبة على إيقاف عجلة التعليم، ومع اقتراب نهاية العالم الدراسي الفائت وبعد ممارسة عدة ضغوطات كبيرة من قبل المؤسسات العاملة والمدرّسين، قامت الأونروا بالموافقة على تنظيم امتحانات رسمية وكلفت المدرسين العاملين ضمن إطارها في المخيم بالإشراف على تلك الامتحانات حيث تم الاعتراف بنتائجها، لينجح القائمون على تلك المدارس بجلب اعتراف من قبل الأونروا بعد معاناة طويلة لتعلو الابتسامة معلنة انتصار الأطفال ومدارسهم الجديدة، ومع بداية العام الدراسي الجديد يقول حسام السهلي، وهو أحد أعضاء لجنة متابعة التعليم من قبل المؤسسات الأهلية، أن الأونروا إلى الآن لم تقدم أي دعم إلا الاعتراف بنتائج الطلاب في المراحل الانتقالية للابتدائي والإعدادي، ويُضيف “جميع التجهيزات مقدمة من قبل المؤسسات الأهلية من وقود وقرطاسية مع غياب كامل لمؤسسة الأونروا”، وهذا ما يضع تلك المؤسسة في موقف محرج أمام مهامها التعليمية إزاء غياب كامل يدخل في عامه الثاني.

على الرغم من جميع الجهود الرائعة المبذولة من طرف المدرسين والمؤسسات الأهلية على هذه المدارس، إلا أنها تبقى عاجزة عن ملء فراغ المدارس القديمة بصفوفها الممنهجة وقاعاتها الترفيهية وباحاتها الكبيرة، ليظل أطفال المخيم متمسكين بتعريف الصباح الخاص بهم باحثين عنه في جدران مدارسهم الجديدة ومتمسكين بحقهم في التعليم، لتبقى تلك المدارس كحل مؤقت إلى حين رفع الحصار الجائر وعودة الحياة الطبيعية إلى المخيم.

تابعنا على تويتر


Top