عقدة النقص

syria-qwe23134411.jpg

بيلسان عمر

تركّز معظم الكتابات ووسائل الإعلام على حالة الاستلاب تجاه القوي، والشعور بالنقص تجاهه، وما ينتج عنها من قبول وتقليد أعمى لكل ما يصدّره إلينا -هذا القوي- من منهجيات وتصورات للكون والحياة، ما صلح منها وما فسد. والملاحظ أن نظرية المؤامرة كانت حاضرةً عند كثيرين أثناء تحليلهم لمواقف هؤلاء الذين ساروا مع ركب القوي، وهو ما لا يصرح به بشكل مباشر، بل على العكس يتم التبرؤ منذ البدء من هذه النظرية، ولكن بعد التبرؤ يعود الكلام ليصب في نفس المجرى، وكل فكرة لا توائم هذه التوجهات فهي مجندة ضد المؤامرة، وخاصة عند مستخدمي أسلوب الاتباع الفكري دونما تدقيق أو عناء تمحيص.

قد تبدأ بذور عقدة النقص منذ الطفولة، عندما تستخدم الأسرة مع أفرادها أسلوب المقارنة بأبناء جيلهم كوسيلة –برأيهم- للتحفيز، “شوف أحمد ابن خالتك” و ” يا ريتك متل سلمى بنت جيراننا” ويبقون ضمن منظومة محددة، قد لا نلومهم هم، ولكن نلوم من عاش ضمنها، وبقي يغترف حتى بعد أن عرف واعتبر، وفي المدرسة يستعرض المعلم عضلات الطالب النجيب أمام أصدقائه، رغبة منه في تقليدهم له، ولو تقليدًا أعمى، فكل ما يهمه تكرار نسخ عن ذاك المجتهد، دونما أن يعتري المعلّم شعور بالذنب حيال عقدة يسهم في تورمها عند هذا الطفل، وينسج الناس هالات من القداسة حول أشخاص بأعينهم، ممثلين.. مغنّين.. معلّمين.. مشايخ.. وحتى مثقفين، ويشعرون بمزيد من النقص حيال أي تصرّف يفعله نجمهم المفضّل.

وتختلف ردات فعل أحدنا بين مستجيب لمثل هذه المقارنات، مقلّدًا الآخر تقليدًا أعمى، وآخر مكتسبًا رد فعل سلبي تجاه الآخر، بل حتى تجاه الفعل ذاته، فينفر من كليهما، والأسوأ ذاك الذي يركن إلى نفسه، فيلومها عند كل حركة، بعد أن يشعر بمزيد من عقدة النقص تجاه ذاك الشبح الذي زُرع في مخيلته، والأسوأ أن يصبح غير المقلّد لذاك هو الغريب بنظر المقلدين، فهاهم يضعون -على سبيل المثال- قائمة بالخطوط العريضة للموضة –والبريتستج- ممثلة بتسريحة شعر معينة، وطريقة لبس محددة بأحدث الموديلات، وألوان منتقاة حسب المواسم، وماركات عالمية تمنح مستخدمي بضائعها أحقية في اعتبار أنفسهم الفئة الأكثر أناقة وذوقًا في المجتمع، مروّجين لثقافة اصطنعوها بأنفسهم، غير آبهين بمشاعر الآخرين.

ونأتي أيضًا إلى تضخم عقدة النقص حتى أمام الغرب أنفسهم، فهم بنظرنا المثقفون، السائرون على دروب الحضارة، يشربون الشاي بالشوكة -على حد تعليق أحدهم- يتمتع المواطن لديهم بالاحترام والتقدير، ولا يحيدون عن القانون، والديمقراطية عندهم الأساس، أو ربما كما يقول المثل الشعبي لدينا “من برا رخام ومن جوا سخام”، ونكاد لا نجد من شك أن القائمين عليها لا يؤمنون بها إلا وفق مصالحهم ونزواتهم التي جعلت منهم عبيدًا لها، ومنا مقلّدين لهم، مستصغرين ذواتنا أمام عظيم إنجازاتهم، وفي الوقت نفسه لا ننكر جميل صنعهم، ولكن ليس لدرجة شعورنا بمزيد من النقص.

فتذكر على الدوام أنك معجزة بكل ما أوتيت من قوة وطاقة، وأنك تستطيع صنع المستحيل، ولن تبقى عثرة في طريق الآخرين، وكذلك لن تتعثر بأحد منهم.

تابعنا على تويتر


Top