شرف الغاية لا يبرر الوسيلة !

191.jpg

حنين النقري – دوما

خمسة عشر شهرًا مرّت على ثورتنا، كلما ازداد فيها النظام اجرامًا، ازددنا إصرارًا على الاستمرار بالحياة، والاحتجاج، والتظاهر، لنيل ما خرجنا لنيله…

سطّرنا فيها حاضرنا الملحمي البطولي، تمهيدًا لمستقبل مشرق يبزغ سناه من بسمة كل شهيد.. ونظرة كل طفل…

لكن استمرار ثورتنا وإصرارنا على بهائها ونقاء صفحتها؛ يحتّم علينا أن نقوم -نحن أبناؤها الحريصون عليها كل الحرص- بدراسة شاملة شفافة، وتغذية راجعة دقيقة لكلّ ما كان، والتخطيط لما سيكون…

يعني أن نسلط الضوء على أخطائنا وعيوبنا لنتلافاها؛ لا أن نغضّ الطرف عنها ونتجاهلها فتكبر وتستفحل، لتصبح سمة عامّة بعد فترة وجيزة، وقد كانت في الأمس القريب؛ هفوة أو زلّة عارضة!

سأحاول في هذه المقالة استعراض بعض الأخطاء في صفوفنا علّنا نستطيع تصحيحها وتداركها..

• خرجت المظاهرات الأولى في درعا كردّة فعل غاضبة على تعذيب الأطفال، فكانت الشرارة التي امتدت لكافة المحافظات فيما بعد..

كون البداية هي عبارة عن ردّة فعل «عاطفية» أمر طبيعي تمامًا، لكنّ إتمام المسير في درب الثورة يتطلب العقل وحسمه وتفكيره ووعيه، ضابطًا وممنهجًا لحماسة العاطفة ووهجها وقوّتها..

هتافاتنا، شعاراتنا، تعليقاتنا وردّات أفعالنا، راياتنا، أغاني الساحات، الخواطر والمقالات، جميعها مما يجب أن يمرّ عبر مرشّح ثوري واعٍ، يقيّم الأمور، ما لها وما عليها.. ويشير صراحة إلى مواضع الخطأ فيها..

قد يكون الغضب هو الشرارة التي بدأت منها الثورة وانطلقت؛ لكن ما من شعلة يستمر توقّدها من شرارة فحسب، شعلة الثورة بحاجة للكثير من الوقود لتستمر، الوقود المتمثّل بالمفكرين والمثقفين والعقلاء ممن اندمجوا مع الشارع وحللوا أفعاله، لينقدوا ما يصدر عنه بحب وحرص، كلما احتاج لنقدٍ وإرشاد، تحتاج أن يتقبّل هذا الشارع نقدهم برحابة صدر أيضًا، يعيد النظر في أفكاره وأفعاله، وأن يعطي أذنه لصوت العقل لا لصوت العاطفة الجمعي، لئلا تجرفه حمّى الانفعالات مع تيّار لا يؤمن به فكريّا.

• من الأساليب التي درج النظام على استخدامها وانتهجها دائمًا، الكذب الإعلامي الصريح، التضليل والتهويل وتزييف الحقائق وتبديلها، ليرسم في مخيلة المتابع له صورة مخالفة (أو معاكسة في الكثير من الأحيان) لما هو على أرض الواقع..

خروجنا على النظام وثورتنا عليه تعني بالضرورة ثورتنا على أساليبه الملتوية، الكذب -حتى غير المقصود- الإشاعات، التهويل والتضخيم الإعلامي وعدم نقل الأخبار بدقّة ومهنية؛ أمور جميعها تساهم في إفقاد إعلام الثورة مصداقيته وشفافيته، وتنتج حالة من الإرباك وعدم الفهم والتشكيك من صفوف مؤيدي الثورة أنفسهم تجاه أكثر اخباره دقّة ووثوقية، وتعتبر فرصة سانحة ﻹعلام النظام الفاشل للتركيز على ثغراتنا الإعلامية والاتجار بها ..

إجرام النظام حقيقةٌ واضحة، وما لديه من الأساليب الدموية والإجرامية لا يحتاج للتهويل في نقله، التهويل الذي لا يخدم ثورتنا على الإطلاق..

• أحد الأمور التي ورّثها النظام للمجتمع من أقبية سجونه وفروع مخابراته، هي عقلية: «لست معي إذن فأنت ضدّي»، للأسف نجد اليوم في صفوف ثورتنا من يحمل هذه العقلية غير المتقبّلة ﻷي اختلاف بين صفوف الثوّار، النابذة ﻷي رأي ناصح ينقد ما يراه في الساحة، ثورتنا على النظام مع وجود أدواته بيننا وفي صفوفنا وبيوتنا، يعني أننا نثور على القشور الخارجية فحسب، لا على اللب والبنية الداخلية والأفكار الرجعية، مما يستحق الثورة بذات القدر من الأهمية والأولوية..

ثورتنا للجميع، لكل السوريين بلا استثناء، لا أحقّية ﻷحد أن ينسبها لصفوفه أو يقصي منها من لا يوافق هواه، أو لا يتفق مع رؤاه، المستفيد الوحيد من شقّ الصف هو النظام الذي يحاول من خلال إشاعاته ومؤامرات إعلامه «الكونية» توجيه رسائل للأقليات بأن زوال النظام يعني زوال وجودهم، وأن بقاءهم مرتبط ببقاء النظام «الحامي» لهم، يدلل على رسائله تلك ببعض من زلّات الشارع الناتجة في مجملها عن كثير من العاطفة غير المتعقّلة أو المتبصّرة بما وراء كلماتها، الرافضة لأي رأي غير موافق لما تراه، الأمر الذي يحتاج منا للكثير من التعقّل إزاء أي موقف أو كلمة أو ملمح مهما بدا بسيطًا أو تافهًا

ورحم الله امرءًا أهدى لثورتنا عيوبها وعمل على تصحيحها..

تابعنا على تويتر


Top