وقفات على القبور الأحبة

0911250929266fds_933913_large2.jpg

عنب بلدي – العدد 138 – الأحد 12/10/2014

وقفاتبيلسان عمر

أن تسمع بأن الأم تتجهز بأحلى طلة لتزور ابنها في بيته، مصطحبة معها الهدايا، وما يطيب لنفسه، وتحدث الأهل والأصدقاء عن تحضيراتها لتلك الزيارة، وكيف ستضم ولدها في أحضانها، وكيف ستجدد مع كل قبلة أمومتها الفطرية المفعمة بالشوق والحب له، فهذا أمر مألوف لك، أما أن تسمع بنفس الأم وقد اشترت الحلوى والورود، ودعت الجيران ليشاركوها زيارتها لقبر ابنها، فهذا لربما من أقسى ما تعانيه الإنسانية على وجه المعمورة، فكيف لها أن تضمه، وأن تشتم عطره، بل وكيف ستحدثه، وهل سيعيد هذه المرة كلماتها دندنات تطرب لها أذنها كما اعتادت؟

وقفت على القبور صباح عيد الأضحى لا أدري ما أفعل؟ أأواسي تلكم الأم الثكلى؟ أم تلك الأرملة؟ أم الابنة والأخت والعمة والجدة؟ وماذا عن الأب والأخ والصديق؟ وماذا عن أطفال جاؤوا لزيارة قبور آبائهم قبل أن يداعبوهم، بل وحتى قبل أن يهمسوا بنت شفة بآذانهم؟

وفي ذهني صور لأخريات كثر أردن زيارة قبور أحبائهم، ولكن منعتهم العادات المتوارثة عن حرمة زيارة المرأة للقبور، وأخريات حالت المسافة الشاسعة وحدود بلادي بينهن وبين قبور أبنائهن، وآخرون كثر لم يقدّر لهم حتى إلقاء آخر نظرة على أبنائهم، فواراهم الثرى في تلكم المناطق المحاصرة، وحرم ذويهم حتى من زيارة قبورهم، في لحظات قاسية أخرى يسجلها الطغاة بدون إنسانية.

في تلك الزاوية وقفت ابنة ترثي والدها «ليت أمي لم تحمل ولم تلدني كي لا أشهد هذه اللحظة، برتني نوائب الحرب من كل زاوية، فبت أحدث حتى صوت المدفع عنك، أعرف أنك عاهدت الله، فصدقت وعده، ولم يغب بالشهادة دمك، بل رفعت رأسك ورؤوسنا جميعًا برجولتك في زمن قلّ فيه الرجال، في زمن لم تعد فيه الدنيا همك، بل مطيّتك لتصل لدار لا نصب فيها، ولا هم يحزنون، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وإن غبت يا والدي عن عيني فالروح مسكنك، فكيف يغيب من في الروح سكناه؟، الكل مشتاق إليك، الأهل والأحبة والأصدقاء، وحجارة الطريق، وعتمة الليل لتشق عبابها بنورك، نقلّب صورك علها تجبر القلب الذي انكسر، نمج الطريق أثقال خطانا عليها بدونك، ونلقي بقميصك وسجادة صلاتك على وجوهنا، علّها تمسح دموع آلامنا على فراقك، أريد أن أقولها بابا، لمن أقولها، وأسمعك تقول ابنتي كما تقولها، آه كم هو مؤلم فراقك يا أبي،  مازلت حتى الآن تأتيني يا أبي، وتوصيني بأمي وإخوتي وأولادهم، وفي عيني وصيتك، رحلت يا أبي دون أن تودّعنا، ودون أن تعوّدنا على فراقك، ليتك تركتني أسقط مرة أو مرتين حتى أتعلم معنى العيش بدونك، مرّة هي الحياة بدونك أبي، وهاهو عيد جديد يمر على ارتقائك أبي، وطيفك لا يفارقني، وكل يوم أستحضر صوتك ترتل آيات من القرآن، تبكيني تلاوتك، وسيبقى قلبك يا أبي الغالي وصور ذكرياتي معك واحتي التي آوي إليها كلما اشتدّ بي هجير الأيام، أو رمتني اللحظات بجفائها، ومع ذلك فأنا فخورة بك، فخورة أنه لمثلك حقًا يا أبي بنى الله جنته»، في لحظة أخرى يسجلها الطغاة بدون إنسانية.

ولابد للذاكرة أن تستحضر صور أولئك الذين لن يتمكنوا من زيارة قبور أبنائهم الذي قضوا نحبهم تحت التعذيب، دون أن يتسلموا جثامينهم، فدفنهم الأهل في قلوبهم، وصارت حياتهم مقبرة تدفن فيها أحلامهم بلحظات احتضان أبنائهم بعودتهم سالمين، وباتت أكفهم شاهدة على ما اقترف الطغاة بحق أبنائهم، وهم يرفعونها تستجدي المولى أن يغسل أبناءهم بالماء والثلج والبرد، وأن يبدلهم دورًا خيرًا من ديارهم، وأهلًا خيرًا من أهليهم، ومن جديد لحظات قاسية تسجل مع حلم بات يراود تلكم الأمهات بقبر يضم فلذة كبدها، عل ذرات التراب تكون أحنّ عليه من سياط سجّانيه.

تابعنا على تويتر


Top