هل نموت ليحيا الوطن؟

Untitled-11.jpg

عبارة شهيرة هي شطر من أحد أبيات النشيد الوطني التونسي، الذي كتبه الأديب مصطفى صادق الرافعي، أستميح الرافعي عذرًا إذ لا أشاطره الرأي، وأستميح أهل تونس لمخالفتي نشيدهم الوطني، آن لنا أن نفكر.. هل حقا علينا أن نموت لتحيا أوطاننا؟ وهل تحيا الأوطان فعلًا بموتنا.

«الوطن هو المكان الذي يرتبط به شعب ما ارتباطًا تاريخيًا طويلًا، المنطقة التي تولدت فيها الهوية الوطنية للشعب».

«الموطن هو البيئة التي يعيش فيها الكائن الحي أو البيئة التي يؤثر ويتأثر بها هذا النوع».

التعريفان حسب موسوعة ويكيبيديا، يبدوان مألوفين وطبيعيين، الوطن الذي يعطينا الهوية الوطنية يستحق أن نموت ﻷجله، ﻷن ارتباطنا به تاريخي.. لكن هل هذا صحيح بالكلية؟

ماذا كان الوطن قبل وجود شعب يقطنه، ماذا تمثل البتراء قبل وجود الأنباط ممن عاشوا فيها وحفروا صخرها وبنوا بيوتًا وحضارة؟ صحراء مصر هل كانت لتكون سوى صحراء رملية خاوية أخرى، لولا شعب بإرادة صلبة قاوم حرها وحمل صخرها ورفع بناءها أهرامات لازالت شاهدة؟ من الذي أعطى الصين استمرارية إرثها الحضاري، وبنى سورها الشهير؟

لولا المواطنون لما عاش أي وطن، لولا الإنسان لما صُنعت حضارة قط، لولا زراعته الأرض لظلّت بورًا، لولا تحديه المخاطر وفتحه طرقًا في الجبال والغابات لبقيت مجهولة بكرًا لا علم ﻷحد بها.

الإنسان هو من يعطي الأوطان قيمتها، قبل وجوده لم تكن أوطان، وبعده لا أوطان أيضًا.

من الطبيعي أن ندافع عن أوطاننا، كأي ربّ منزل يحميه من اللصوص ويذود عنه، لكن أن يصبح هذا المنزل أهم من أهله، وسلامة أحجاره أهم من سلامة سكانه.. فذاك لعمري اختلال بموازين التفكير والأولويات.

ثمة فرق كبير بين الموت كحادثة تقع للإنسان مُكرها بعد أن أخذ الأسباب للحياة، وبين أن يصبح رغبة وهدفًا وغاية قصوى، بل سوق جملة تحصد حيوات كثيرة باسم الوطن.

هذا المفهوم لا يخص الوطن فحسب، بل لعله مستمدّ أساسا من معتقدات دينية جعلت الإنسان مطيّة لبقائها وانتشارها، وجعلت دماء الشباب فداء لنصوص لا ترتوي منها.

الدماء الوحيدة التي تحتاجها الأوطان، هي الدماء الحية التي تنبض فينا، في الطبيب المداوي والعالم والباحث والمفكر، الرسام والمهندس والكاتب، الفلاح والمهني والتاجر، الدماء الوحيدة التي تبني الأوطان هي الدماء التي تصان لا تلك التي تهدر.

والأوطان الوحيدة التي تستحق الحياة -والتي تتطور بالفعل- هي الأوطان الحريصة على أرواح أفرادها؛ مزيد من الإبداع والحياة في الشعب يعني مزيدًا من القوة في الوطن، وأي حياة وأي قوة في وطن، مقبرة؟

التراب يحتاج ليد تبنيه، لا دماء ترويه!

وﻷن الشعر ليس سواء كله فإن لأحمد مطر معنى قريبًا في مخالفة الرافعي بمقولته «نموت نموت ويحيا الوطن»، إذ يقول:

«نموت كي يحيا الوطن

يحيا لمن؟

من بعدنا يبقى التراب والعفن

من بعدنا تبقى الدواب والدمن

نحن الوطن..

إن لم يكن بنا كريمًا آمنا.. ولم يكن محترمًا.. ولم يكن حرًا

فلا عشنا.. ولا عاش الوطن»

لكنني أستميحه العذر أيضًا ﻷقول، رغبة بأوطان قوية صحيحة، ناضحة بالحياة: «نعيش نعيش.. ليحيا الوطن».

تابعنا على تويتر


Top