كوباني وعين العرب

محمد رشدي شربجي
بالتزامن مع الحملة الشرسة التي يشنها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على كوباني، مشردًا أهلها ومهددًا من تبقى بالإبادة، هناك «هوشة كلامية» على تسمية المدينة، هل هي عين العرب.. أم كوباني؟

والهوشة هذه لم يقتصر الاشتراك بها على مرتادي الفيس بوك الذين لا يعرف أعمارهم ومقدار اطلاعهم، وإنما شملت صحفيين وكتاب وأعضاء أحزاب وغيرهم.

هذا اللغط انتقل إلى وسائل الإعلام حتى، فتارة تقول الجزيرة إنها كوباني، وتارة عين العرب، لتحسم الجدل أخيرًا بأن وضعت الاسمين بشكل متلازم «عين عرب – كوباني».

يخال لغير المطلع أن هناك مدينتين يشن عليهم تنظيم الدولة حملته في شمال سوريا، هناك مدينة عين العرب الذي يعتقد سكانها أن التنظيم يهدد العرب والأكراد على السواء.

وهناك مدينة كوباني التي يعتقد سكانها أن التنظيم يشن حربه عليهم لأنهم أكراد، ولأنه عربي عنصري صدامي شوفيني… إلخ.

يعتقد أهل مدينة عين عرب أن تركيا قدمت ما عليها، وعلى حزب الاتحاد الديمقراطي PYD أن يقلع شوكه بيديه، فهو قد تحالف مع النظام السوري، وعليه أن يطلب من النظام أن يدعمه لا من تركيا عدوه التاريخي.

في حين يعتقد أهل مدينة كوباني أن تركيا هي الداعم والممول الأساس لـ «داعش»، وهي بلا أدنى شك، قد دفعت التنظيم ليشن حربه على كوباني، لأن الحكومة التركية تكره الكورد ولا تريد لهم أن يبنوا دولتهم المنشودة.

يعتقد أهل عين عرب أن اسم عين عرب هو أصيل سابق على البعث ذاته، وهو موجود في سجلات الدولة العثمانية بهذا الاسم، أما اسم كوباني فهو ليس اسمًا كرديًا وإنما مشتق من كلمة «كومباني» شركة السكك الحديدة التي كانت عاملة في المنقطة هناك.

بينما يرى أهل كوباني أن حافظ الأسد قد أطلق تسمية عين العرب على المدينة، مستهدفًا تغيير اسمها وديمغرافيتها وفقًا لسياسة عنصرية شوفينية بغيضة.

أهل عين العرب يعتقدون أن مظاهرات الأكراد في تركيا بلطجة ومدفوعة من الخارج، بينما يرى أهل كوباني أن هذه المظاهرات هي غضب نبيل.

لا يبدو أن أهل عين العرب يطيقون العيش مع أهل كوباني، والحال على ما يشكل من كوميديا سوداء هو حال الكيان السوري المنكوب، لا تطيق أقوامه العيش مع بعضها، ولكن لا ليس لها من دون ذلك من مناص.

لقد حكم نظام الأسد الشعب السوري بالحديد والنار، ولكنه كان ذكيًا كفاية ليضطهد كلًا من مكونات هذا الشعب بشكل مختلف، فهو ظهير للعرب ضد الأكراد، وظهير للأكراد ضد الإسلاميين العرب، وظهير للعلويين ضد السنة؛ وهكذا يقبع على أنقاض شعبٍ طالما أتقن تدميره.

الخطر الداهم على كوباني هو خطر على كل سوريا، وهذا ليس كلامًا عامًا وإنما هو واقع وحقيقة وجودية على جميع الأطراف أن تدركها.

مهما اعتقد حزب الاتحاد الديمقراطي أنه بتفرده سينجح لا شك ستأتيه اللحظة الذي سيدرك فيها أن ما بناه كان محض أضغاث أحلام، ومهما تخلى العرب عن الكورد في محنتهم هذه، فلا شك ستأتيهم اللحظة التي سيلتهمهم فيها نظام الأسد أو تنظيم الدولة كما التهم غيرهم.

أيا يكن اسم المدينة، هل هو كوباني.. أم هو عين العرب؟ فإن هذا لا يغير من كونها مدينة منكوبة شيئًا، بل لعل النقاش والمهاترات في اسم المدينة هو جزء من نكبتها الحاصلة الآن.

وبغض النظر عن اسم المدينة فيما مضى، فإن لأهل المدينة الحق في تسمية مدينتهم كما يشاؤون، فقد تكون عين عرب وتصبح كوباني أو العكس، ألم تصبح يثرب المدينة المنورة بعد قدوم الرسول عليه السلام عليها؟

ولكن وبغض النظر عن ذلك كله، فإنه إذا لم يتفق أهل كوباني وأهل عين العرب فيما بينهم، فإن «داعش» قادمة لتهجر أهل كوباني، وتفقأ عين العرب، وتكون في النهاية كما أرادتها.. «عين المسلمين»!

تابعنا على تويتر


Top