صناعة الحب في زمن الحرب

-هدايا1.jpg

عنب بلدي – العدد 139 – الأحد 19/10/2014

سماح هداياد. سماح هدايا

معظم التقدم الاجتماعي يبدأ بأشخاص ثوريين من مربّين وفنانين ومفكرين أحرار، يرفضون العبودية وينشدون الحرية والعدالة، والمفترض أن تكون المرأة في قلب أي حركة للتقدّم لأنّها راعية الحياة.

العقل البشري عجينة بين يدي المرأة لتحسن صياغته ويصبح أكثر انفتاحًا وعمقًا وتسامحًا وحرية وإبداعًا، لكنْ، ليست كل امرأة بقادرة على وهب الحياة، هناك نسوة هدامات جاهلات غارقات في حقد وغيرة وأنانية ومطالب شهرة ضحلة وسلطة مهيمنة، يعرقلن التطور والنهضة.

الثورات تأتي بالتجديد ويلزمها نساء متنوّرات حرّات قادرات على العطاء الإنساني والاجتماعي والوطني بسخاء وصبر، وحتى تكون المرأة صانعة الحياة ومربية الأجيال وراعية التجديد؛ عليها تجاوز الجانب المظلم مما نشأ فيها وترسّخ بفعل تربية المجتمع المستبد. صحيح أنّ ما ينطبق على المرأة من صفات الخير والشر، ينطبق على الرجل، لكنّ خصوصية المرأة تضعها في جانب شديد الحساسية والمسؤولية تجاه أدوارها ومهماتها وشخصيتها، فلا يمكن للكائن الذي يفترض به الحب والعناية والرعاية والدفء أن يكون باردًا حاقدًا عنيفًا لئيمًا يغذّي البغض والكراهية والشرور والفساد.

التسلط بالسلطة وللسلطة، من أشد الأمراض فتكًا بعطاء المرأة، وخوض المعارك اليومية بغير نضج وأخلاق لمجرد الثرثرة وكسب مكانة ونفوذ وشهرة وموقع للتعويض عن التهميش، هو خطر يهدد بتفتيت طاقات المرأة ومكانتها. لا يمكن تحقيق نصر شخصيّ أو عام بتبخيس الحقوق الأسريّة. التصدي للعمل الوطني والسياسي والمجتمعي، لا يلغي احتياجات المجتمع وأفراده لمكانة المرأة العاطفية كمربية وأم وأخت وابنة وربّة أسرة، أما اضطرابات القيم الذاتية وحالة القلق لدى المرأة؛ فتؤجج صراعات الإنسان مع الآخر ومع الواقع، وتفكك السلم الذاتي والأهلي والمجتمعي.

لا يمكن للمرأة، بالشأن العام وحده، أن تعوّض النقص الشخصي لديها وأن تكتمل، ولا يمكن للإنسان الذي ربته المرأة من دون حب أو دفء أن يعيش متوازنًا متكاملًا، سيظل يحاول الحصول على الحب وإشباع الاشتياق الأمومي لتعويض ما فقده من رعاية ومحبة. الحرمان العاطفي وفقدان الحنان قد يصيب فئات من البشر باعتلالات نفسية وأزمات وعقد نقص وكراهيات مدمّرة.

تجارب الطفولة والانطباعات الأولى لها دورها في رسم صورة المرأة في ذهن الإنسان والرجل والمجتمع. الحصول على حب الأم وتقديرها أمر في غاية الأهمية للإنسان؛ لأنه يعني الحياة السليمة وهو ضمانة التوازن الداخلي للإنسان والتوازن الخارجي في المجتمع وبين أفراده، وإلا ستتهدّد الحياة الإنسانية والاجتماعية بمخاطر عظمى.

القيم المتخلفة والاستبدادية التي تربيها المرأة في أولادها وطلابها وأهلها، هي التي تسهّل عمليّة تحقير شأنها كأنثى وإنسانة. تكريس الثقافة الذكورية المهيمنة وقبول الاستبداد، يحصل بيدي المرأة قبل الرّجل. فالأم والجدّة والخالة والعمة والجارة وتفاعلات الأفراد معهن له دوره الكبير في خلق صورة إيجابية ناصعة للمرأة وبناء علاقة صحية مع النموذج الفطري. حتى تكون المرأة قائدة مجتمعها معنويًا وواقعيًا وفعليًا، يجب أن تكون أكبر من التوقعات التقليدية، وأن تحمل معاني المثال الأعلى والتجديد.

حرب المرأة من أجل الحرية والعدالة والنهضة هي حرب من أجل الحياة، أما الحرب الجنسية مع الذكر؛ فهي وهم؛ لأن الأساس حرب الإنسان مع الظلمة ومعركة التّحرّر لبناء منظومة حريات وعدل ونهضة.

جدارة القيادة لا تحظى بها المرأة بمجرد الصراخ والعبث وغواية الجسد، بل بتكسير الطغيان والغرور والأنانية والطفيليّة في نفوسهن ونفوس غيرهن. تجاوز الخلل والنقص والدونية يبدأ بتعزيز الصورة الإيجابية للمرأة في عقول الرجال والنساء، ونجاح مشروع الثورة موصول بضمير المرأة وفعلها وإرادتها الحرة.

تابعنا على تويتر


Top