الإبداع وقانون العشر سنوات

عنب بلدي – العدد 139 – الأحد 19/10/2014

الابداعهبة الأحمد

إذا سألت عن أشهر عالم في الفيزياء فستأتي الإجابة حاملة اسم رجل، وكذلك إن سألت عن أفضل الأدباء أو أشهر الموسيقين أو الفنانين، والأمر ذاته في الطب والرياضيات والفلك والفلسفة، وقلما يرد اسم امرأة في أحد حقول العلم والمعرفة، إذ لا يتجاوز عدد النساء اللواتي اشتهرن في هذه الميادين عدد أصابع اليد مقابل عدد لا يحصى من مشاهير الرجال.

غياب المرأة – أو على الأقل – عدم بزوغ نجمها في كل الميادين ظاهرة اجتماعية تعم كافة المجتمعات، متقدمة كانت أم متخلفة، وعلى الرغم من تزايد أعداد النساء اللواتي تزاحمن الرجال في كافة المجالات، فلا يزال النبوغ والشهرة وذيوع الصيت وقفًا على الرجال دون النساء، ولا تزال محاولات النساء الأدبية وإبداعاتهن العلمية والفنية تندرج تحت تصنيف “إنتاج النساء” أي الإنتاج الأقل قيمة.

فهل الطبيعة الأنثوية للمرأة لا تؤهلها للإبداع؟ أم أن وضعها الاجتماعي حكم عليها بذلك؟ وهل نقص النساء سبب تاريخهن البسيط؟ أم أن تاريخهن البسيط هو الذي قضى عليهن بهذا النقص وألصقه بهن!؟ وهل العبقرية حكر على الرجال دون النساء؟

بدايةً، تشير كلمة “العبقرية” إلى الفرد الذي تبدو عليه قدرات استثنائية عقلية أو إبداعية، وتطلق على الأعمال التي تحدث تغييرًا دائمًا في طريقة رؤية الإنسانية للعالم أو تضيف إليها جديدًا، وتحتاج العبقرية (بحسب الأبحاث والدراسات) إلى أمرين مجتمعين لتتألق: أحدهما الموهبة الطبيعية، والآخر هو الاجتهاد والدأب.

وقد كتب داروين في أواخر حياته رسالة إلى ابنه هوراس، قال له فيها: “في الليلة الماضية كنت أتفكر فيما يجعل الإنسان يكتشف ما لم يكتشفه سواه، ويا لها من معضلة محيرة! فهناك كثير من الرجال في غاية الذكاء لكنهم لا يكتشفون شيئًا، ولعل الأمر يكمن في الدأب يا بني .. الدأب على البحث”

ومن ضمن الأبحاث التي تهتم بالإبداع والعبقرية بزغ نجم قانون يسمى “قانون العشر سنوات” عرّفه لأول مرة جون هايز في عام 1989، والقانون ينص على أن الإنسان لا بد أن يواظب على تعلم الحرفة أو مجال التخصص ويمارسه لمدة عشر سنوات قبل أن يتمكن من تحقيق إنجاز فيه، ومن النادر أن تجد إنجازًا قد تم تحقيقه في مدة أقل من هذه.

ويعتبر إينشتاين نموذجًا جيدًا على هذا القانون، فقد بدأ يدرس أساس النسبية الخاصة حوالي عام 1895 ثم وضع نظريته ونشرها 1905، وكذلك داروين الذي وضع نظريته عام 1838 عن الانتخاب الطبيعي، فقد غمر نفسه لعشر سنوات في جامعة كامبريدج بدءًا من عام 1828، وما من عبقري عبر التاريخ تسنى له اختصار المسار الطويل والتدريجي نحو الإنجاز الإبداعي، ومهما بلغ المرء من الموهبة الفطرية فإن موهبته إن لم يرافقها عمل دؤوب ولم يسقها الجهد والعرق اندثرت ولم تؤت ثمارها.

وعلى ضوء هذا القانون يمكننا أن نعيد صياغة السؤال السابق، فهل الذي منع المرأة من تحقيق إنجاز يستحق الإشادة هو تكوينها الفطري وفقدانها للموهبة؟ أم عدم دأبها واجتهادها في ذلك؟

والجواب أن المرأة (حتى تلك التي تحررت ونجحت) تقنع بسهولة بنجاح بسيط في حياتها الإبداعية، ولا تجد في نفسها الحافز على الاجتهاد والكد والعرق، أو الجرأة على بلوغ المراتب العليا، فتبدأ بممارسة شغفها بخبرة سطحية وطموح محدود السقف، ويبدو لها أن مجرد كسبها للقمة عيشها بجهودها ميزة عظيمة لها، ذلك لأنها تكابد العناء لكي تكون أنثى وإنسانًا في آن معًا، فتجد نفسها منقسمة مشتتة بين شخصيتها الإنسانية ومصيرها التقليدي كامرأة، وتلقى مشقة بالغة في الوصول إلى التوازن، ولا تصله إلا بعد أن تدفع ثمنه سلسلة من التضحيات والتنازلات.

فمن الصعب جدًا أن تكمل المرأة تعليمها وتكون إنسانًا مبدعًا دون أن تتولد في داخلها توترات تستنزف قواها بين رغبتها في العلم والعمل وبين نوازعها الفطرية لتكون أنثى وزوجةً وأمًا، في حين أن الرجل يتمتع بامتياز يشعر به منذ طفولته بأن ميله ليكون إنسانًا مستقلًا لا يتعارض مطلقًا مع مصيره كذكر وزوج وأب.

هذا الصراع الذي تعيشه المرأة ينتهي بها إلى العجز والاستسلام في سنين مبكرة جدًا في طريقها للإبداع، فجسارتها في تحدي الواقع وعيش شغفها تعني خسارتها لأنوثتها واغترابها عن شغافها.

أما النساء اللواتي أبدعن حقًا أمثال ماري كوري وفرجينا وولف وسيمون دي بوفوار ورضوى عاشور فقد حظين بزواج من رجال متميزين ومبدعين قدموا لهن العون والدعم دون حرمانهن من أنوثتهن فسكنت نفوسهن وتحفّزت عبقريتهن.

ولمعرفة ما إذا كانت المرأة غير مؤهلة للإبداع بطبيعتها أم بسبب ظروفها التاريخية والاجتماعية، فلا بد من وضعها في ظروف إنسانية عادلة مساوية للرجل، ثم الحكم على إنجازاتها، والإنسانية اليوم تسير في طريق المساواة بين الرجل والمرأة مما يبشر بمستقبل واعد للمرأة وللمجتمع برمته.

تابعنا على تويتر


Top