مقاومة النزعة الداعشية فينا

BxWx8tWCcAAnf7v.jpg

عنب بلدي – العدد 141 – الأحد 2/11/2014

هبوشBxWx8tWCcAAnf7vهبة الأحمد

تعيش داعش في الفراغ الذي خلّفه غياب الدولة، ولكنها لم تنشأ من فراغ، وإنما هي وليد شرعي للتاريخ والثقافة والمجتمع، ولها أصولها العميقة وجذورها المتأصلة فيها.

“داعش” هي مجرد اسم وظاهرة كالظواهر تروح وتجيء، والأهم هو امتدادها في التاريخ وعمقها في النفوس وأصولها في الفكر، فهي ظاهرة نحسبها مباغتة وغريبة عنا لكنها تجسيد مادي للشيطان القابع في أفكارنا وعقولنا وتاريخنا منذ أمد، وها هو الشيطان يمثُل منتصبًا أمامنا عاريًا من الزيف، فهل نشيح بوجهنا عنه بتقزز وترفّع، ونلصقه بابن الجيران (العم سام) مرددين كالببغاء: التطرف الديني هو محض صناعة أمريكية في البدء والمنتهى!

أم نكون على قدر من الشجاعة لمكاشفة أنفسنا، ومن العزم لنغوص قليلًا في أعماق ذواتنا ونطالع تاريخنا ونبحث في ثقافتنا وبين حنايا فكرنا، عما قد يكون سببًا أو ذا علاقة بما نراه اليوم ونكتوي بناره، ونتعلم كيف نتقيه؟

من الواضح للعيان أن العنف والطغيان الذين يشهدهما العالم اليوم، وكل يوم، لا يصدر عن أناس أشرار وإنما عن بشر عاديين، مثلي ومثلك، يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، وبعضهم أكاديميون وخريجو جامعات مرموقة. وقد دلت التجارب أن الأشخاص العاديين لديهم قابلية للطغيان، وأنه بالإمكان صناعة نظام طاغٍ شرير بسرعة أكبر مما يتصور الكثيرون، وهذا الأمر غير مطمئن أبدًا ومقلق إلى حد بعيد.

وحيث إن الشعوب والمجتمعات الإنسانية ذاقت الويلات جراء العنف والطغيان والتعصب الذي لم يفارق الأمم على مدى قرون طوال، فقد آن للوعي الإنساني أن يطلّ ويشرق بأنواره على هذا الليل الحالك، علّ البشرية تستشرف آفاقًا جديدة للمستقبل يعمها السلام والتعايش، لا تكون المعارك صوتها ولا الأسلحة راياتها و لا الدم لغتها ولعنتها.

فما الذي بوسعه أن يمنع “قابلية” الإنسان للطغيان؟ ويعوقه عن عِداء أخيه الإنسان؟ هذا ما يُعد البحث للإجابة عنه من الأهمية بمكان.

يتفاءل البعض بالعلم كمخلّص من العنف، لكن نظرة واحدة على التاريخ تكفي لنعرف أن الطغيان والعنف ليسا وليدين للجهل وقلة التعليم، وأن العلم والحضارة لم يمنعا الشعوب المتعلمة من شن الحروب ضد شعوب متخلفة أقل تعليمًا، لكن لعل بوسعنا أن نقول إن “نوعية” الثقافة والعلم من شأنها أن تدفع بالحرب بعيدًا وتدفع بعجلة السلام للأمام. وبإلقاء نظرة على طبيعية الثقافة التي نخضع لها والعلم الذي نتشربه يمكننا أن نلاحظ أن:

أولاً) التعليم بشكله الحالي (وهذا لا يقتصر على الدول العربية) يُعنى بالمنطق والفكر والعلوم الطبيعية على حساب الجانب الإنساني، فهو يدرّس جغرافيا الحدود ولا يهتم أن الأرض واحدة، ويركز على القومية في مقابل الإنسانية، ويتعلم أصل الأنواع ويتجاهل أنها كلها واحدة، وفي التاريخ يدرّس العنف لا السلام والكراهية لا التسامح ويخلد أسماء الفاتحين والغزاة وينسى العلماء والأدباء، ويفتخر بالمعارك والانتصارات ويبتهج بالخسائر التي يلحقها بالعدو.

وبهذا يكون التعليم عونًا على تغذية النزعة الداعشية البدائية التي يهيجها الدم، بدلًا من مقاومتها.

ثانيًا) هناك أسباب كثيرة تدفع للقتل، وتغذي بشكل مباشر أو غير مباشر عجلة العنف، منها تعارض المصالح، والتعصب الديني أو القبلي، والخلافات الحدودية، أو غير ذلك من أسباب منطقية أو غير منطقية، والذي يقود هذه العجلة هم قلة من السادة يتبعهم الكثير من الأتباع المساكين الذين نشأوا على إطاعة الأوامر العاتية، الآتية من السلطة العليا (الأب – المعلم – السلطة) أو من المقدسات (الدين – الوطن وغيره) فيقبلون بكل ما في حاضرهم وبكل الأجوبة التي تحاصرهم، ويندفعون للقتال تحت رايتها رغم عدم اقتناعهم بها، فحيث تكون نصف الأسئلة ممنوعة ونصفها الآخر ذو إجابات معدة سلفًا، ينشأ العقل معطلًا محتشدًا بالإجابات الجاهزة ويصبح الوجود الإنساني ميتًا ومميتًا.

وهكذا تقدم التربية لـ “داعش وأخواتها” أجيالًا تابعة سهلة القياد تطمئن للأجوبة المريحة وتخشى إشارات الاستفهام ولا تعرف كيف تقول لا ولماذا.

ثالثًا) ارتفاع البنادق في مواجهة الفكر المخالف هو نتيجة لغياب ثقافة الحوار، وغياب وجودها لا يعني انعدام جدواها، فكم من الأشخاص أو المجتمعات تغيرت قناعاتهم وتحولت من النقيض إلى النقيض بفضل الحوار العلني وبفعل زمن ليس بطويل؟

والحوار إذا حُرم ساد التطرف، وإذا احتُرم لا يمكن أن يؤدي للعنف لأنه لا يترك المجال أمام الشخص والجماعة للزعم بامتلاك اليقين التام (الذي هو أصل كل بلاء)، فالقناعة التي يصل إليها المرء من التفاعل مع الآخرين، تصبح تشاركية، ولا تلغي الآخر، وهذا الحوار من شأنه أن يقرب الطرف إلى الطرف فيمنع التطرف ويحد من قابلية الإنسان للطغيان.

رابعًا) التربية والمجتمع لا يجدان ضيرًا في معاملة الإنسان للآخر المختلف عنه بطريقة بشعة أو دونية (عنصرية)، وهذا يؤدي للحقد الذي يليه العنف، ولابد من وجود تعليم يركز على الاعتراف بحق الاختلاف وجماليته وأهمية التعددية، ويقوض الرغبة بإقصاء الآخرين وإلغاء هويتهم و “إبادتهم!”.

وللماركيز دى ساد عبارة بليغة تصلح للدلالة على أهمية الاختلاف، يقول فيها: “لن يستقيم الكون لو كان هناك تشابه وتوافق تام بين الكائنات، فالنظام الذي يقود ويحكم العالم يولد من عدم التوافق، وعلينا الحرص على عدم تشويشه”.

والجميل في العبارة أنه يعتبر الاختلاف ضرورة طبيعية وجمالية علينا الحرص عليها وليس تقبلها فحسب! وإذا كان العالم كرويًا والأيام سجال فعلى الإنسانية أن تعي أنه كلما زاد ضيق المرء بالرأي الآخر كلما زادت المسافة بينه وبين حقه في ممارسة حرية التعبير.

خامسًا) الدين بشكله الحالي يدين الآخر ولا يبالي بالعنف لمواجهته، وهذا يحتاج وقفة حقيقية لا مجال لها هنا، ولكن يمكننا القول إن كل تديّن بلا معرفة عميقة وتجربة روحية هو بلاء كارثي فادح، وإن شاء الدين والمتدينون أن يؤكدوا ذواتهم وحضورهم، فتعميق التجربة الروحية وليس الصراع مع الآخر هو السبيل لذلك.

أخيرًا، أمام استمرار العنف الديني اليوم، وفي المقابل العنف باسم محاربة الإرهاب، أليس من الأقوى والأقوم من مواجهة العنف بالعنف هو أن نقاوم النزعة الداعشية الكامنة في النفوس؟ ونحاول أن نخمد نارها ونجنّب الأجيال القادمة دمها ودواماتها.

تابعنا على تويتر


Top