كيف نشفى من حب تونس

محمد رشدي شربجي
جرت في الأسبوع الماضي انتخابات مجلس نواب الشعب في تونس، الانتخابات -التي جرت في أجواء شفافة استدعت إشادة من العالم أجمع- أظهرت تقدمًا للعلمانيين على خصومهم الإسلاميين بعد أن أضرت سنوات من الحكم الانتقالي بشعبيتهم نسبيًا.

تبدو تونس الاستثناء الوحيد الذي يمضي فيه الربيع العربي بخطى ثابتة باتجاه تثبيت الحكم الديمقراطي، فبعد أن ألهمت تونس العالم العربي من خلال أسبقيتها في الثورة على الديكتاتورية، ها هي تلهمه مرة أخرى في كونها البلد الوحيد الذي استطاع حتى الآن متابعة مساره في الحرية.

يستوجب النموذج التونسي دراسة متأنية شاملة، فتونس أثبتت للعالم أن الديمقراطية قابلة للتحقيق في العالم العربي، كما أثبتت أن بديل الأنظمة الديكتاتورية ليس الفوضى، بقدر ما هو العدل والمساواة.

لقد لعبت النخب السياسية التونسية، وعلى رأسها حركة النهضة، دورًا بارزًا في هذا الانتقال السلس، وكما قال الشيخ راشد الغنوشي في أحد المؤتمرات العالمية “لقد أخذت مصر من تونس ما يجب أن تسير عليه بداية، وأخذت تونس من مصر ما لا يجب أن تسير عليه نهاية”.

نستطيع أن نقول إن الأسباب التي جعلت النموذج التونسي يتجنب انزلاقات الربيع العربي هي التالية:

الجيش التونسي الذي اكتفى بالحياد الإيجابي، وأبدى رغبة حقيقية في عدم التدخل في الشأن السياسي المضطرب بعد هروب بن علي، في حين رأينا أن الجيش المصري أشرف بنفسه على العملية الانتقالية التي انتهت بأن سلم السلطة لنفسه، عدا عن جيوش سوريا وليبيا واليمن والبحرين التي يصدق عليها القول بأنها جيوش خاصة أكثر من كونها جيوشًا وطنية.

يتميز الشعب التونسي بتجانس قومي ديني طائفي، فكل مواطني تونس هم من العرب السنة، وهذا خفف بالتأكيد من الاضطرابات الناجمة عن الفراغ الأمني وغياب الدولة.

ليس هذا مديحًا لنظام ديكتاتوري بالتأكيد، ولكن بالمقارنة مع الأنظمة العربية الأخرى التي طالها الربيع العربي نجد أن الاستبداد الذي مثله الحبيب بورقيبة وبعده بن علي مختلف في طبيعته عن الاستبداد في باقي البلدان العربية، إذ لم يلجأ النظام في تونس إلى إحياء هويات ما تحت وطنية، ولم يلجأ لتثبيت حكمه بالاستعانة بمكونات أقلوية دينية أو قبلية أو غيره، لقد فرض النظام البورقيبي هوية وطنية تونسية بالقوة.

أدركت حركة النهضة أن الأغلبية الانتخابية لا تكفي للحكم في المرحلة الانتقالية، فقد اعتبر الغنوشي في إحدى محاضراته أن 51% هي كافية للحكم في الأنظمة المستقرة، في حين أن 60 % غير كافية في الأنظمة الانتقالية إذا كانت هذه النسبة من حزب واحد.

أدركت النخب السياسية التونسية، لاسيما حركة النهضة، أن عنوان المرحلة بعد هروب بن علي هو بناء التوافق وإكمال المسار الانتقالي، وأن الصراع الإسلامي العلماني مضيعة للوقت والجهد في غير مكانه، فسعت إلى بناء تحالف سياسي عابر للأيدلوجيات، وهو ما خفف من التحريض إلى حده الأدنى.

لقد افترض إخوان مصر أن تحالفهم مع السلفيين سيكون حاملًا لهم باتجاه حكم مستقر، ولكن ما افترضه إخوان مصر طريقهم نحو الاستقرار غدا عبئًا عليهم في النهاية، في حين ميزت حركة النهضة نفسها منذ البداية عن التيار السلفي واعتبرته يدعو إلى نمط حياة لا يتناسب مع الواقع بحسب تعبير علي العريض.

صحيح أن النهضة خسرت الانتخابات الأخيرة، ولكنها كسبت نفسها وكسبت تونس، لقد مثلت تونس حالة نموذجية لإمكانية التلاقي العلماني الإسلامي على برنامج وطني مشترك، كما أظهرت أن من أصدق أشعار محمود درويش على الإطلاق قوله: “كيف نشفى من حب تونس الذي فينا مجرى النفس؟”

تابعنا على تويتر


Top