مصياف، والموت التباسًا!

غفار عيساوي – شباب مصياف الثورة

يتقدم الباص إلى الحولة ببطء، تتسارع نبضات الركاب، هذا طبيعي فأغلبهم من ريف مصياف، يخافون الثورة، يخافون تلك «الكائنات العرعورية» التي ستلتهمهم ما إن تطالهم، كانت فاطمة الحزوري بينهم، امرأة من مصياف، تصارع صرخات وليدها، يهدأ قليلًا ثم ما يلبث أن يصرخ، أجفله صوت سيارة عسكرية تمر كالسهم من أمام الباص، يسرع الباص وتختل حركته، يمنع سيارة مسرعة وراءه من المرور، يتضح أنها سيارة تحوي مقاتلين من الحولة يلاحقون السيارة العسكرية، يتوتر الجوّ في الباص، يشهر الشبيحة أسلحتهم داخل الباص ليشتعل الرصاص في الجو، يهدأ الرصاص ويرتسم على وجه فاطمة ابتسامة جامدة، تغرق في دمائها ويغرق الباص بصرخات ابنها، لا أحد يعلم الحقيقة، بعضهم يقول أن شبيحة الباص قد قتلوها بعد أن تشاجرت معهم لتمنعهم من إطلاق الرصاص، بعضهم الآخر يقول أن رصاصة طائشة من رصاصات مقاتلي الحولة اخترقت جسدها، ولكن الأكيد أن ابتسامة هادئة زينت وجهها، ربما كانت تحلم بقبلة من زوجها «يهنؤها بالسلامة من حادث المستحيل».

   

كان عبد الله يسخر من روسيّته، يحمل بها «شيدان الشاي» عندما تحترّ قبضته، يفتح بحربتها خزان الوقود، كان سعيدًا بفرزه الجديد، فلن يضطر لاستخدام روسيته ضد شعبه، فخدمته الإلزامية في كازية مصياف العسكرية، لا يوجد في مصياف مظاهرات كبيرة يومية ولا يوجد مجابهات مسلحة بين المعارضين وقوات النظام، بالمختصر المفيد، لا يحضر في مصياف طيف سؤال الإنشقاق، وما أصعبه من سؤال.

ذات مساء، وبينما كان يشرب الشاي، تقدم أحدهم من الكازية، أخذ يقترب بسرعة، كانت مشيته غريبة، رأسه منتكس ونظره مصو إلى الأرض، بلع عبد الله ريقه واستنفر ليوقف هذا الضيف الليلي ويتأكد من سلامة نية زيارته، صاح به : «يا بو الشباب، مين أنت»، لم يرد ذلك الشاب واستمر في مشيه باتجاه عبد الله، احتل الخوف عبدالله فحمل روسيته ووجهها باتجاه الزائر، لم يدرك كيف تصلبت يده على الزناد ليردي الشاب أرضًا، لم يكن ذلك الشاب إلا خالد طالب، عامل نظافة من مصياف، اضطره فقره إلى السكنى في الكروم، كان عائدًا من عمله في منتصف الليل، يضطر كي يصل إلى منزله إلى المرور بالقرب من محرس الكازية، كان عبد الله جديدًا، لم يكن قد اعتاد على مشوار خالد اليومي، خرجت الرصاصة، لم تكتف بإصابة قلب خالد، بل استكملت طريقها لتعطب روح عبد الله، وقع الرصاصة على روح عبد الله كان مشابها لوقع الفقر على حياة خالد، مات خالد وأصبح عبد الله يمشي مشية غريبة برأس منتكس ونظرة مصوبة نحو الأرض.

   

لمحمد الحوري حكاية أبسط، كان عائدًا من حلب إلى مصياف، مع بضاعة اشتراها لمحله الصغير في السوق، استوقفت الباص ميليشيا مسلحة طائفية تدّعي أنها تلبس عباءة الثورة، قتلوه وقتلوا معه مجموعة من الشباب لمجرد كونهم من مصياف وريفها.

   

قدمت مصياف للثورة العديد من الشهداء، موفق زينو استشهد إثر اقتحام الشبيحة والأمن لمصياف، محمود الشيحاوي استشهد تحت التعذيب، الناشط اسماعيل الشيخ حيدر قتله النظام، محمد وطفة ومحمد درزية استشهدوا أثناء خدمتهم الإلزامية بسبب رفضهم للمشاركة في قتل أبناء شعبهم، استحال تشييعهم مظاهرات حاشدة، استقصدت ألا أكتب عن هؤلاء، فهم في النهاية شهداء، ملأ موتهم صدى الكلمة، الكلمة وحدها تكفيهم أما فاطمة الحزوري وخالد طالب ومحمد الحوري و غيرهم الكثير في مصياف وسوريا فمازالوا سؤالاً يصفع صمت الذاكرة وتواطؤ اللغة، ألن تمنحهم سوريا اسماً يليق بحياةٍ كفّنها عبث التاريخ ليبتلعها تراب النسيان!

تابعنا على تويتر


Top