هل يمكن أن تبقى قضايا المرأة خاصة ومعزولة عن السياق العام

-هدايا2.jpg

عنب بلدي – العدد 142 – الأحد 9/11/2014

سماح هداياد. سماح هدايا

الثورة تعيد للقول قيمته، ويتشجّع الخطاب على قول ما لم يكن يتجرّأ على قوله، لكنّ الذين يدّعون أنهم يعرفون كل شيء، وتجاربهم جاهزة ليلبسوها للآخرين؛ فما زالوا جزءًا من الحرس الطغياني القديم.

الحرب هي الفرصة الذهبيّة للتغيير، وبين دمويتها وعنفها تتهدّم رموز وأدوار، ويجري تثوير أدوار، وتجديد مفاهيم ورسم مخيلة جديدة للصّور، واستحداث رموز أدبيّة ومفاهيم ثقافية واجتماعيّة. قضايا المرأة هي اجتماعية وإنسانية تخصّ المجتمع، كلّه، وتفيده في بلورة تجاربه، وليس من شرط مسبق؛ لكي تكون المرأة جزءًا من الثورة. ليس بالضرورة أن تكون من الذين خرجوا في التظاهرات أو دخلوا السجون أو كانوا من الطليعة السياسية والفكرية والحزبية؛ لكي تحظى بدور في الثورة. الوعي السياسي والفكري يتطوّر نتيجة التجربة الحقيقية في الثورة وكمحصّلة خوض متغيراتها، بشرط اعتناق مبدأي الحرية والكرامة؛ فعندما تنمو المرأة في خطوط الحرب اليومية واستحقاقات المعركة، تصقل اليوميات مبادئها ومفاهيمها.

الفوضى هي الصورة النمطيّة الملازمة لأيّ ثورة؛ لكنْ، رغم وجود تشتت هائل في أداء المرأة السياسية والحقوقيّة والإنتاجيّة، يمكن صياغة رؤية سياسية للمرأة تصبّ في أهداف وطنية وإنسانيّة، وتخصّ حقوقها ومطالبها العادلة، بشرط تجاوز الخطاب الضيق والمطالب التي تخطتها تطلعات الثورة، وعلى المجتمع إعادة النظر في عمليّة تنميط المرأة برمزية مطلقة إيجابيّة أو سلبية؛ لأن ذلك شبيه بتجذير أفكار شمولية رجعية. النساء اللواتي خرجن في الثورة وعشن المرحلة، وخضن الحرب وويلاتها؛ هنّ مثل الآخرين من أفراد المجتمع الذين تحوّل بعضهم لجبان ونذل، وخرج بعضهم شجاعًا ونبيلًا بفعل الصراع والثورة والحرب.

تتحول الصراعات إلى آليات لصنع ثقافة جديدة. ستصبّ، آخرًا، في مصلحة المجتمع. والمرأة التي تخوض مختلف أنواع الصراع الجنساني والمعرفي والطبقي، تعيش عمليّة تحطيم ما اعتادت عليه من آليات تفكير وعمل وعيش: التحطيم الاقتصادي والنفسي والاجتماعي والفكري. فماذا تعمل؟ وما الحل؟

الوعي والثقافة والإصرار على تقديم العون التنموي والإنساني لها وللآخرين، هو ثورتها المضادة للرد على الحط من شأنها نفسيًا واجتماعيًا بالعنف والتمييز والظلم. التمسك بشجاعة الصمود والعطاء يمكن أن يقلل من سلبيّة صورتها كضحيّة، ويحتوي الصدمات والقلق والخوف. فماذا يمكن أن تفعل المرأة عندما تحيطها كل هذه الشبكات الغليظة ولا سند معها؛ بعد تحطّم البنى التقليدية الحامية وعجز الرجل والمجتمع عن حمايتها؟ هل تنهار؟ هل تتخلى عن دورها الحيوي؟، هل تترك الأسرة تتفكك وتتداعى، خصوصًا، في ظروف النزوح والهجرة وغياب الأب والرجل المعيل واضطرارها للعمل والكدح لتأمين عيشها وعيش أسرتها؟ إيمانها بدورها وتحملها لمسؤوليته جوهر قوتها. الدعم التربوي النفسي ورعاية الأسرة وتنشئتها لتوجيه المسار التربوي والتعليمي أمر في غاية الأهمية؛ خصوصًا بما يواكب الثورة ومناخات التجديد. ويبدأ من اتخاذ القرارات، وهو متاح للمرأة الآن، ويمكن تطويره.

اتخاذ القرارات يتطّلب وعيًا وشجاعة ومثابرة ومتابعة، وهو رد المرأة على ظروفها القاهرة. اتخاذ القرارات وترسيخ الممارسات الملائمة للتغلب على الظروف السيئة في المجالات البيئية والصحية والتعليميّة لتجنب انتشار الأمراض والأوبئة والجهل والعنف وتأكيد سلوكيات النظافة الشخصية الداخلية والخارجية والمسؤولية الفردية، هو ما يجب على المرأة عمله، لتجاوز مخيلة وواقع ما تعرضت له ومجتمعها من عنف وخسائر. وألا تقبل التسامح مع الواقع الرديء، وأن تحول التجارب الجديدة المريرة إلى تجارب منيرة؛ فتكتسب المهارات والمعارف والسلوكيات وتمعن النظر في منظومة حقوقها وتضع ذلك كله في وعي ومسؤولية وضمن منهجية علميّة وعقل ناقد.

تابعنا على تويتر


Top