هل بوسع الأدب أن يجعلنا أكثر إنسانية

MainImage_Thumbnail_640px.jpg

عنب بلدي – العدد 142 – الأحد 9/11/2014

MainImage_Thumbnail_640pxهبة الأحمد – ريف دمشق

انتشرت في الصحف والمجلات وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، صورة لشاب من تنظيم داعش يحمل بيديه مزهوًا رأس «ريحانة»، الفتاة الكردية التي تعتبر رمزًا للصمود الكردي، مفصولًا عن جسدها.

ولأن الأحزان تستدعي الأحزان والفواجع يستأنس بعضها ببعض، تعود هذه الصورة المغرَقة بالبشاعة بالذاكرة الإنسانية إلى بدايات القرن الخامس، في شوارع الإسكندرية، حين التقط «بطرس» السكين الطويلة الصدئة وصاح بهيباتيا عالمة الإسكندرية العظيمة من بعيد: «جئناك يا كافرة.. جئناك يا عدوة الرب!»

وكتلك الجديلة التي تزين رأس ريحانة، كان شعر هيباتيا ملفوفًا كالتاج فوق رأسها، حين أنشب بطرس أصابعه في شعرها ولوى خصلاته بين أصابعه حتى صرخت، فأجابها بزعيقه: «باسم الرب سوف نطهر أرض الرب»

رغم الاختلاف الكبير والبون الشاسع بين الحكايتين، حيث كانت هيباتيا امرأة وثنية قتلها التطرف باسم دين المسيح في القرن الخامس، بينما ريحانة امرأة كردية قتلها التطرف باسم دين محمد في القرن الواحد والعشرين، لكنهما لو كتبتا بقلم أديب أو ريشة شاعر ستبدوان كقصة واحدة وصرخة واحدة خرجت عبر حنجرتين عبرتا القرون، وفارقتا الحياة بسكينة صدئة.

يقلل البعض من قيمة الأدب ويضعونه في مكانة أقل من العلم والمنطق والفكر، ويعتبرون قراءته وتأليفه ترفٌ ومضيعة للوقت، ولكن الأدب له دور عظيم في صون إنسانية الإنسان وحمايتها، بل في أنسنة الإنسان بذاتها.

فالمنطق والعلم والفكر قد يمنح المرء ثقافة ونضجًا وحكمة وتستورد له أخلاقًا، ولكنها لا تجعل من الفرد إنسانًا، أما الروحانية والتأمل فبوسعها أن تفعل، وقراءة الأدب الإنساني هي إحدى أهم وسائل التأمل العميق، لأنها تلامس جوهر الروح الإنسانية الواحدة، وتجعلنا نعرف الآخرين معرفة دقيقة، لصيقة، حميمة، فالعمق الحميم لكل شعب هو آدابه، فهو يكشف عن طموحاته وآماله وآلامه وحرمانه ومعتقداته ورؤيته لذاته وللآخرين (الآخرين بمن فيهم نحن!) لأننا دومًا نُعتبر ’آخرين’ بالنسبة إلى سائر الآخرين.

وعلى الرّغم من اختلاف مجالات استخدام «القراءة»، إلا أنها لا تعني فكّ شفرة رموز معّينة سبق تعلمها بطرق آلية، وإنّما تعني السلوك الإنساني العميق الباحث عن إيجاد المعاني، وتفسيرها بمعنى “قراءة” شخص ما أو موقف ما. إن قراءة الأدب بهذا المعنى يمكن اعتبارها واحدة من أكثر الأنشطة الإنسانية روحانية.

حتى أن بعض دراسات علم النفس تدل أن قارئي الأدب أرهف إحساسًا وأكثر لطفًا وشاعرية، وبالتالي أبعد عن العنف والتطرف والوحشية من غيرهم، وإن كان من الصعب معرفة الأسبق في الوجود على غرار سيناريو الدجاجة والبيضة، فهل أولئك الأكثر شاعرية ينجذبون إلى هذا النوع من الأدب العظيم، أم أن هذا النوع من الأدب يشكّل ذوق قارئيه ويُرهِف مشاعرهم، فليس من الصعب أن نعرف أن الأدب الإنساني يحمل الروح لتلمس الجوهر الإنساني الواحد وتتحد بالروح المتعالية عن الأمكنة والأزمنة والملاصقة لها، ويدخل إلى تفاصيل مشتركة لدى جميع النفوس والديانات والشعوب، فيوحّدها.

وهذا ما تعنيه الكاتبة جويس كارول أوتس في قولها: “إنّ القراءة هي الوسيلة الوحيدة التي تحيينا حياة الآخرين لا إراديًا وتعطينا صوتهم وتسكننا روحهم».

وإذا كان التطرف والتعصب الذي نراه يوضح الازدواجية الجوهرية في الطبيعة البشرية، وإذا كان يمكن للمرء أن يتجاهل خبرًا يتحدث عن مقتل المئات أو معاناة الآلاف، ولكن من الصعب أن يتجاهل صورة إنسان، إنسان واحد! يعرف ملامحه أو يتبين مأساته عن قرب أو يشعر أنه يشبهه، وإذا كان البشر يميلون لكراهية من يشعرون أنه يختلف عنهم.. فهذه مهمة الأدب.

ولأن الكلام المنصف الآتي من العقل والفكر غالبًا ما يصدم المتعمّقين في دراسة علم ما ويفاجئ المتوغلين في دراسة نقيضه، لأن هؤلاء وهؤلاء انشغلوا في الجانب الذي يدرسون ويبحثون، فلم يلتفتوا إلى الجوانب الأخرى، فأغرقهم علمهم في لجّته (والعقل البشري لديه قابلية للتعميم والتعصب بسهولة) ولأن انتماء الإنسان لأي انتماء يعني بشكل مباشر أو غير مباشر معاداته للانتماءات الأخرى.

فالأدب الإنساني يمكنه أن يعصم الإنسان من النظرة الأحادية، وأن يحدّثه عن أوجه الشبه بينه وبين أخيه في حينٍ لا يرى فيه إلا الخلافات والاختلافات، وبإمكانه أن يقرب الإنسان من الإنسان عندما تباعد بينهما الإيديولوجيا، وبوسعه أن يأخذ قارئه إلى «الآخر» حين تفرقه السياسة عنه، وأن يستجلب الرحمة والتعاطف والشفقة.

وأن يسكب في وعي الأفراد أن «حق الوجود» عند أحدهم مقدم على «حرية ممارسة المعتقد» عند الآخر، فيطمئن بذلك الهويات الخائفة وأصحاب المعتقدات المخالفة، ويقلل من مشاعر الكراهية التي منشؤها الاختلاف، ويساهم في صناعة عالم يتجلى فيه التنوع البشري في عيش مشترك متناغم لا في توترات مولدة للعنف.

تابعنا على تويتر


Top