ويُؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة

men.jpg

جريدة عنب بلدي – العدد 22 – الأحد – 1-7-2012

 

   تنزف المصيبة في فؤادي كلمات تصف ابن أمي، لترقرق دموع يراعي حروفًا تبكي شابًا بعمر الصبا، إذ قادته حكمته إلى قبره، فلم تصدّق عيناه رؤية جريح ينزف أمامه، فإذا به يُردى قتيلًا بعد حمله ذاك الجريح.

حمزة مشش… يعيد لنا التاريخ، إذ نستذكر قول هند عندما أمرت وحشي أن يُحضر لها كبد «حمزة» لتلوكه بأسنانها:

     شفيت نفسي وقضيت نذري                                     أزاح وحشي غليل صدري

وهذه المرة الهدف أيضًا حمزة، ولكن الفاعل أكثر وحشية من وحشي ذاته، فالشهيد لم يقبل أن يُسدل غشاوة التهاون واللامبالاة عندما رأى الشهيد زاهر شعبان يغرق بدمه بعد أن أطلقت عليه قوى المخابرات الجوية النار في يوم 4 شباط 2012م، ليعدو نحوه آملًا أن ينقذ الجريح، ويستنجد بوالده أحمد المشش ليساعده، فإذا بالأب يخر صريعًا غارقًا في دمه. شهيدان سقطا أمامه برصاص زنادقة حمر يقودها هُبل ويعوق ونسرا، بل وأكثر طغيانًا منهم، إذ دمّروا الأرض بما رحبت، وعاثوا فيها فسادًا وخرابًا، ليقف حمزة أمام برك الدم الطاهرة تلك… محتارًا… فيختار أن يسعى لإنقاذهما ولو اختلط دمه بدمهما.

حمزة… كما تقول أمه.. ويقر بشهادتها إخوته وأصدقاؤه.. كان نقيًا صالحًا، لم يلطّخ يديه بجرائم الدنيا الفانية، وكان ألوفًا حيثما حل أو رحل، صديقًا صدوقًا مخلصًا في وداده، ولا يعرف الزلفى وإن نجمه أفل، كريمًا طيب النفس، يحب كتاب الله من قلبه، بريئًا كطفل خرج لتوّه من لفحته، لقمته يخرجها من فمه ليطعمها إخوته وأبناء حيه، وصوته يملأ زوايا المنزل وأركان الشارع بضحكته ومرحه، وتشهد له الحارات والشوارع ببراءته، ثم ليرويها بدمه الطاهر، فتنتعش ورود داريا، وتنشر عبيرها مع حسن سمعته بلسمًا يداوي جراحنا، ويلملم كرامتنا المهدورة والمسحوقة تحت أقدام الطغاة العابرين بديارنا.

حمزة.. أأرثيك بكلماتي وحروفي، أم ألملم عبراتي وأمحو غربتي من بني قومي، إذ المصائب كوت من أضلعي، فلا لذة لشعر الأدباء بعد أن قضى الصبا نحبه، وبعد أن استلوا روحك أمام أعيننا ونحن نعصر همنا، وتعصرنا مصائبنا، فقد وقع الذي كنت أخشى ومات حمزة ووالده وجارهم في لحظة واحدة.

أيها اللّوام أرجوك رفقًا بقلبي، فقد رمتني الآلام سهامها، وأنا لست معترضة على حكم الله وقضائه، فله في شؤون خلقه أحوال، ولكنني صُعقت بنعيه، فجراحنا لم تلتئم، وإذا بأعيننا تذهل من هول ما ترى، إذ ترعى الذئاب أغنام بلادي، وتُساق أطفالها للمذابح، وتتلقف آلة حرب حكامها شبابًا بعمر الورد، تُلقي بهم صرعى، وما تدري أننا بمسك دمهم نحيا.

حمزة مشش… حروف اسمك حركت أشجاني.. وأزهرت من حروفي كلمات بعد أن هزت وتر عود دواة حبري، ولن أقول لك وداعًا بل لقاؤنا في جنات العُلا مع والدك وجاركم ومن سبقكم ومن سيلحق بكم بإذن الباري.

تابعنا على تويتر


Top