ثلاثة أسباب حالت دون انهيار نظام الأسد اقتصاديًا.. والحل واحد

عنب بلدي – العدد 144 – الأحد 23/11/2014

عبد الله حاتم

توقع الكثيرون من مسؤولي المعارضة انهيار نظام الأسد اقتصاديًا خلال أشهر قليلة من انطلاق الثورة، كما أكدت في حينه مصادر صحفية مختلفة، نقلًا عن محللين اقتصاديين أن الاقتصاد السوري سينهار خلال أشهر من عام 2011.

وتوالت السنوات الثلاث الماضية وما زال النظام قادرًا على دفع فاتورة الحرب العبثية التي يشنها على شعبه على كامل الأراضي السورية، ويدفع رواتب موظفيه، ويقوم بعمليات الاستيراد رغم وجود العقوبات العربية والأجنبية. وما زالت الأسواق السورية مليئة بالبضائع رغم الارتفاع الهائل في الأسعار.

ما سر قوة النظام الاقتصادية؟ هل يكفي القول إنه مدعوم نقديًا من إيران وروسيا والعراق ولذلك استمر؟

رغم صحة هذا الادعاء لكنه لا يكفي، فقد دعمت روسيا النظام بالسلاح وبعقود مؤجلة الدفع مقابل امتيازات معينة في قاعدتها البحرية في ميناء طرطوس، وأمور أخرى كطباعة كمية كبيرة من الليرة السورية مجانًا.

كما دعمت إيران النظام بفتح خطين ائتمانيين لشراء المواد اللازمة لاستمرار قطاع الكهرباء والنفط في أداء عملهما بشكل متوسط، وشراء مستورداته الأساسية من المواد الغذائية، ودعمته العراق بالنفط، ولكن هذا لا يكفي.

إن موارد نظام الأسد الأساسية التي تعتمد عليها الموازنة الحكومية للدولة هي عائدات الضرائب، عائدات قطاع التصدير، عائدات السياحة، عائدات النفط، لكن عائدات النفط انخفضت بشكل كبير، ولم تنقطع رغم كثرة الشائعات عن انقطاعها بشكل أو بآخر، أيضًا عائدات الضرائب انخفضت بشكل كبير بسبب هجرة أغلب رؤوس الأموال السورية إلى الخارج، وتوقف المصانع والمعامل.

أيضًا تسببت هجرة رؤوس الأموال السورية، والعقوبات الاقتصادية على سوريا بانخفاض عائدات التصدير من 40 بالمئة عام 2009، إلى 9.2 بالمئة فقط عام 2013.

أما عائدات السياحة، فالسياحة الخارجية والداخلية انخفضت عائداتها إلى ما يقارب الصفر منذ الأشهر الأولى للثورة السورية، بفعل العمليات العسكرية التي يشنها النظام في عموم المحافظات السورية.

فما السر إذًا في صمود النظام اقتصاديًا رغم كل الانتكاسات الاقتصادية التي مني بها؟

السبب الرئيسي هو تحويلات المغتربين لذويهم في سوريا، والتي تصرف بالليرة السورية وفق تعليمات البنك المركزي السوري، وبسعر صرف يقل عن سعر صرف السوق السوداء بما يتجاوز الثلاثين ليرة سورية للدولار الواحد وفق مراقبين لليرة السورية.

إذ شهدت السنوات الثلاث الماضية تدفق قطع النقد الأجنبي إلى الداخل بما يتجاوز حلم النظام نفسه من المغتربين السوريين، عندما كان يتطلع إلى تدفق قطع النقد الأجنبي عبر منح امتيازات هائلة للاستثمار العربي والأجنبي.

وفي الداخل السوري لا يمكن أن يتم التداول بالدولار أو بالعملات الرئيسية الأخرى، إلا عبر موافقة البنك المركزي السوري حصرًا، ولذلك فإن عملية التحويل من العملة الصعبة إلى الليرة السورية هي حتمية، وهكذا يعود الدولار إلى خزائن النظام ليحافظ على تماسك ليرته من الانهيار ويدعمها عبر دخوله عن طريق المصرف المركزي في السوق بائعًا قطع النقد الأجنبي إلى شركات الصرافة، يسانده في ذلك شركاؤه التجار بضخ مزيد من الدولار في السوق المحلية، وهذا يفسر سبب صمود سعر صرف الليرة مقابل الدولار بحدود 165 إلى 170 للدولار الواحد كل هذه المدة، رغم توقع الكثير من المحللين الاقتصاديين انخفاضها إلى 800 ليرة للدولار في نهاية السنة الأولى من عمر الثورة.

أيضًا هناك سبب آخر لا يقل أهمية عن السبب الأول، وهو أن أغلب مدفوعات النظام هي داخلية، وبذلك تكون بالليرة السورية، إذ أوقف النظام سداد ديونه الخارجية منذ أن صدرت بحقه العقوبات الأوروبية بحجة أن هذه الأقساط هي مجمدة في حساباته في بنوك الخارج، وسيدفعها حالما ترفع العقوبات.

وطبعًا استفاد النظام من انخفاض سعر صرف الليرة من 50 ليرة للدولار إلى 170، بزيادة حجم موجوداته من الليرة السورية، إذ تضاعفت أكثر من 3 مرات مقارنة مع كتلة الدولار المقابلة لها، والتي هي في خزائنه نتيجة السبب الأول، ونلاحظ هذا في كتلة الرواتب والأجور في ميزانية الدولة، والتي هي أكبر إنفاق جارٍ في الموازنة، إذ لم تزد هذه الكتلة بالليرات السورية ولكنها انخفضت بما يعادلها من الدولار بما يزيد عن 3 مرات.

كما أن النظام حظر على المسافرين السوريين إخراج قطع النقد الأجنبي بما يزيد عن 300 دولار وبذلك ضمن النظام المحافظة على العملة الصعبة داخل سوريا، إضافة إلى وضع قيود على سحب المودعين لأموالهم من البنوك السورية.

والسبب الثالث يكمن في أن الليرة السورية ما تزال متداولة في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، ما يعني زيادة الطلب على الليرة السورية للتداول بها ومن ثم استقرار سعرها في السوق المالية.

ويبقى الحل وفق محللين اقتصاديين لضرب الأسد اقتصاديًا وإن كان حلًا جزئيًا، هو بتداول الليرة التركية في مناطق الشمال المحررة، والدينار الأردني في مناطق الجنوب، أو الاستعاضة عنهما بالدولار الأمريكي، مما سيؤدي في حال القيام بخطوة كهذه، إلى ضربة قاصمة للنظام اقتصاديًا، تفقد ثقة المستهلك بالليرة، نتيجة البيع المستمر لها للحصول على العملة البديلة، وبذلك تنخفض قيمتها الشرائية، وثقة المستهلك المتزعزعة أساسًا بها.

ويبقى السؤال هل ستشرع المعارضة السورية بتنفيذ أمر كهذا إلى حين إيجاد حل مناسب لوقف تدفق النقد الأجنبي على النظام، إذ إن تداول أي عملة بشكل رسمي وعلى نطاق واسع يتطلب موافقة الدولة المزودة بالعملة، ليتم تزويد مناطق المعارضة بها بشكل رسمي بعيدًا عن استغلال السوق السوداء.

تابعنا على تويتر


Top