بصراحة، ومن دون مواربة

-هدايا.jpg

عنب بلدي – العدد 145 – الأحد 30/11/2014

سماح هداياد. سماح هدايا

رد اعتبار المرأة المغتصبة، أو المعرّضة لعنف جنسي قهري في الحرب، ليس مزاجيًّا أو صدقة، هو إلزامي معنيّ به المجتمع لردّ الحق للنساء كضحايا حرب أولًا وضحايا جرائم إنسانية ثانيًا، ثم كمطالب حقوقية للمرأة. السياق المفروض أن توضع فيه قضايا المغتصبات، فيما يتعلق بحقوقهن وردّ اعتبارهن وحل مشاكلهن، يندرج في سياق تغيير القوانين المرفقة بوسائل التنفيذ، ويرتبط أيضًا بشراكات واسعة ضمن التّعاون المجتمعي. لكنّ مدخل الموضوع، هو تطوير القوانين لجهة المساواة وحماية حقوق الإنسان والمرأة والطفل.

العمل على قضيّة المغتصبة وحقوقها وحقوق أسرتها وعائلتها أمر في غاية الأهميّة، لا تقتصر مهمته على منظمات نسائية وجمعيّات المجتمع المدني والهيئات الحقوقية، بل يمتد للقانون والدولة والمجتمع. صحيح أن بعض الفقهاء والسياسيين يجتهدون فرديًّا للخروج بفتاوى جيدة لدعم حقوق المغتصبة؛ لكنها تظل خارج السّياق التشريعي الرسمي مرتبطة بمزاج يتغير وفق المصلحة والعرف، ولا تندرج تحت المسعى القانوني وبناء العدالة وإنجاح المصالحة والسلم الأهلي.

معوّقات كثيرة تقف في وجه إنصاف المغتصبات ورد حقهنّ، أهمها الأعراف المتعلقة بالعيب، والقوانين الحاكمة التي تستند في الأغلب إلى موروث التشريعات القاصرة المستمدة من العادات والتقاليد والأفكار الدينية غير المحدّثة. التعاطي مع الاغتصاب، خصوصا في الحروب، مرتبط بالوعي الإنساني والاجتماعي والأخلاقي وبإدراك مفاهيم العدل وتطبيقاتها؛ فحتى المجتمع الدولي، المتقدم مدنيَّا وقانونيًا في منظومة حقوق المرأة، لم يقم قبل نهاية القرن العشرين بتطوير قانون تاريخي جدي في موضوع ضحايا الاغتصاب في الحروب.

التشريع والقانون ومنظومة الحقوق مسعاها العدل، ولا ديمومة للعدل استنادًا إلى الرحمة وصحوة الضمير؛ فالعاطفة أمر عابر لا يمكن اعتماده لطمأنة المظلومين والنساء المضطهدات. لابدّ من وضع خطة عمل قانونية واجتماعية ووطنية لحل قضايا الاغتصاب. تطوير الثقافة الاجتماعية وتحويلها من استهلاكيّة إلى إنتاجية لإصلاح المجتمع، يرتبط بالتّغيير القانوني والدستوري. التطوير في مفاهيم قانون الأحوال الشخصيّة نقطة مهمة في التغيير وتطوير المفاهيم الاجتماعية وترقية الأدوار المطلوبة من الأفراد، وينعكس حتمًا بالإيجاب على كرامة المرأة وإنسانيتها، وعلى تمكينها وتعزيز دورها سياسيًّا واجتماعيًّا. إذن المعركة هي معركة اجتماعيّة وقانونيّة وسياسية، والمسألة في جوهرها معركة حق وتحرر وعدالة ونهضة.

صحيح أنّ الرحمة خلق عظيم، وأن هناك من يشفق على المغتصبات، ويتعهد بالزواج من فتيات تعرضن للاغتصاب؛ لكنّ الموضوع ليس مجرد شفقة وحسنة وصدقة. قضيّة الاغتصاب تتعدى حدود الحالة الشخصية، لتصبح قضية اجتماعية ومجتمعية ووطنيّة تخصّ الجميع. لا ينفع تطبيق الحلول الترقيعيّة بحجة الأمن الاجتماعي؛ بالسكوت عن جريمة الاغتصاب وعن رد الحق للمرأة بتزويجها لإخفاء العار ودفن الفضيحة. هناك شؤون كثيرة متعلقة بالاغتصاب بحاجة إلى متابعة نفسية وصحية واجتماعية واقتصادية. مشاكل التهميش الاجتماعي.. الإعالة أطفال حرب مولودون قسرًا نتيجة الاغتصاب.. الأمراض المنقولة جنسيًا.. حالات الثأر.. التعويضات والرعاية الصحيّة الماليّة والنفسيّة.. ملاحقة مجرمي الحروب الذين اغتَصبوا، وتوثيق الأمر وتحديد الضحايا والجناة لتحويلهم للقضاء. من دون متابعة هذه الشؤون، لا مجال لتحقيق العدالة والمصالحة وتحقيق الثقة وبناء مفاهيم تحصين المرأة وتمكينها؛ لكي تمتلك الثقة وتندمج في المجتمع الجديد إيجابيّا.

لم يكن الاغتصاب الحاصل في سوريا أمرًا فرديًا طارئًا، أو مجرد حادثة عابرة لامرأة تعرّضت للاغتصاب، بل جاء إرهابًا واضطهادًا عسكريًا وأمنيًا ممنهجًا مشحونًا بالكراهية والحقد والإذلال والانتقام، وله آثار طويلة المدى. لذلك يجب القيام بخطوات جريئة، لكي تكون الحلول القانونيّة تاريخيّة، تُراجَع القوانين وتُحدّث النصوص التشريعيّة، وتقوم بالتّنوير العقلي لرفع الظلم عن المرأة والمجتمع.

تابعنا على تويتر


Top