مسيرة الكتاب بين الحصار والتهجير

القراءة لدى الشباب السوري في ظل الثورة

10362754_683273065060844_4262922629505253540_o.jpg

مكتبة بيت الحكمة - الغوطة الشرقية

محمد هشام – ريف دمشق

“مصر تؤلف، لبنان تطبع، والعراق تقرأ” لا نقف على اسم سوريا في هذا المثل المشهور، لا في التأليف ولا الطباعة، ولا حتّى القراءة التي هي مدار الحديث، ومن المعلوم أن الأمثال المتناقلة إنّما هي انعكاس لإحدى جوانب الواقع، فهل يعقل حقًا أن لا يكون للعقل السوري حظّ من الثقافة العربيّة؟

تستعرض عنب بلدي معدّلات القراءة لدى بعض الشباب الذين يمثّلون أغلب الحالات التي آل إليها الشعب السوري اليوم في ظلّ الثورة.

أمة لا تقرأ.. لا تنهض

هكذا يصف محمّد ديرانيّة، الطالب الجامعيّ، حال الأمّة التي لا تقرأ، ويتابع “مع التقدّم الحضاري والثورة العلمية التي تجتاح العالم اليوم، وتطوّر أساليب الحروب الحديثة الممثلة في غزو الثقافات، وتشويه الحضارات وتزييف التاريخ، تزداد حاجة الشعوب والأمم إلى القراءة ليكونوا على قدر الإعداد والمواجهة”.

وأجاب محمد حول معدّل قراءته قبل الثورة وبعدها بالقول “كنت أقرأ كتابًا واحدًا كلّ شهر، إذ لم يكن الواقع يكشف لي مدى أهمّية القراءة، وأمّا بعد الثورة أصبحت أقرأ قرابة 15 كتابًا شهريًّا، بمعدّل 3 آلاف صفحة، مستغلًّا كوني أقيمُ في الدّاخل السوري في منطقة مُحيّدة عن الصّراع”.

ويعزو محمد، الفارق في المعدل إلى أن “عدونا يصل ليله بالنّهار، ليبسُطَ سيطرته ويختلسَ ثروات الشعوب، ويبقي على المسافة الشاسعة بين ثقافة المجتمعات العربيّة وبين الحقيقة، لذا فإنّ القراءة والتوسّع في الثقافة، وحتّى القراءة للعدوّ أيضًا، بات ضرورة ملحة جدًا لتكامُلِ أفهام المُسْلم الواعي”.

الحالة النفسية لا تسمح

أمّا مالك، وهو شاب عشرينيّ أعزب نازح عن مدينته في ريف دمشق، فيرجع عدم قراءته بشكل مستمر إلى حالته النفسية السيّئة، التي تجعل من القراءة “مدعاة للملل والضجر على الفور”، لا سيما وأنّه “مشغول الفكر دائمًا في التفكير بالسّفر من أجل حياة أفضل، وبكيفية تأجيل الخدمة العسكرية”، إضافة لدوره في رعاية أمّه وأُختيه بعد أن اعتقل النّظام الأب.

ويوضّح مالك أن معدل قراءته قبل الثورة “لا بأس به” سيما أنّه طالبٌ جامعيٌّ، مشيرًا إلى أنّ المواضيع التي تُدار بين طلّاب الجامعة كانت تحفّزه للبحث والقراءة، ونوّه إلى أنّ غالب قراءاته كانت من مواقع الإنترنت، ولم يكن على علاقة وثيقة مع الكتب الورقية.

اللاجئون إلى أوروبا أحسن حالًا

على العكس تمامًا، يرى محمّد، وهو شاب مقيم في ألمانيا التي قصدها لاجئًا، في الامتيازات التي يوفّرها له اللجوء من توفير أساليب المعيشة دون جهد يذكر منه، “أفضل جوٍ مناسب للقراءة”.

وأوضح محمد أنّه لم يكن قبل الثورة مهتمًّا بالقراءة كفاية “ربّما تمرّ علي السّنة والسّنتان، لا أقرأ فيهما إلّا كتابًا أو كتابين”.

لكن الثورة أدت إلى تنامي شعور محمد بمدى “تدني المستوى الثقافي” مقارنة بأقرانه في سنّ الثامنة عشر، لذا فقد وضع برنامجًا محددًا للقراءة، خصص أوقاتًا لإنهاء الكتب الذي ينصحه بها أصدقاؤه.

الحصار يحفّز على القراءة

بالمقابل فإن علاقة ثنائية تجمع الحصار بالقراءة، بحسب خالد، وهو أحد مقاتلي مدينة داريا في ريف دمشق المحاصرة منذ سنتين.

يقول خالد إن “الجو الذي يخلفُه الحصار من الشعور بالمسؤوليّة والهمّ وردّ الأمور إلى حقائقها وجوهرها، ولّدت لدي حافزًا قويًّا نحو القراءة”، لافتًا إلى أن هناك عددًا من الأصدقاء يشاركونه هذه المشاعر والحوافز.

وحول معدل قراءته حاليًا، يقول خالد إنه يقرأ بمعدل 3 كتب تقريبًا في الشهر، لكنه يتطلع إلى زيادة المعدل، في حال سنحت له الفرصة، واستطاع إتاحة مزيد من الوقت للقراءة، خصوصًا وأنه يقضي “ساعات طوال على جبهات القتال”.

ثقافة متدنية مقارنة بالشهادة الجامعية

بدوره سافر حمزة، وهو مهندس تخرج في سوريا، إلى إحدى الدول العربية بعد اندلاع الثورة، ليصنع مستقبله، على حد تعبيره؛ ويرى أن الناس تتعامل معه على قدر شهادته الهندسية، لكنه يجد نفسه أقل ثقافة مما يعتقد الناس، وأنه يحاول أن يداري هذا النقص، بالقراءة والمطالعة.

“لن أدع الغُربة ومشاقّ العمل تعطّل قراري أو تؤثّر سلبًا في نفسيّتي”، كما يقول حمزة، مردفًا أنه يحاول الموازنة بين العمل والقراءة والمطالعة، لكن في نفس الوقت يبدو أن الثورة لم تكن ذات تأثير كبير في قراره.

ويضيف حمزة أنه يقرأ حاليًا كتابًا أو كتابين في الشهر، لكنه يطمح لزيادة النسبة في الأيام القادمة.

تحسن طفيف

توجهنا إلى الدكتور محمد إقبال الخضر، وهو أستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة دمشق ومفكر سوري معروف، بالسؤال فيما إذا كان مستوى الإقبال على قراءة الكتب والثقافة في سوريا مرضٍ نسبيًا.

فأجاب إن “قراءة الكتب منخفضة جدًا في سوريا، لكن الثقافة هذه السنة بخير وأفضل من سابقتها”، عازيًا السبب في ارتفاع النسبة إلى “الثورة؛ فالكل يسأل ويتابع، ومن لا يقرأ ورقيًا، فإنه يتابع عبر مواقع الإنترنت”.

لا مؤشرات لارتفاع المعدلات

وكان تقرير التنمية الثقافية الذي أصدرته مؤسسة الفكر العربي مطلع العام 2013، بين أن متوسط قراءة الفرد الأوروبي يبلغ نحو 200 ساعة سنويًا، بينما الفرد العربي لا يتعدى 6 دقائق سنويًا وهو في تناقص.

في حين تشير إحصاءات منظمة اليونيسكو، إلى أن متوسط القراءة الحرة للطفل العربي لا يتجاوز كذلك الدقائق في السنة مقابل 12000 دقيقة للطفل في العالم الغربي.

كما أشارت المنظمة الأمريكية المستقلة للفنون، إلى رصد الكتب المباعة في دول العالم معدلات القراءة في كل دولة، إذ كشفت عن أن الأمريكي يقرأ 18 كتابًا في السنة، والروسي 6 كتب، والأوروبي 15 كتابًا، أما المواطن العربي فيقرأ ربع صفحة في العام.

ولم نحصل على إحصائيات جديدة خاصة بسوريا، خصوصًا وأن الأوضاع الأمنية غير مستقرة منذ أكثر من 3 سنوات، إلا أن نسبة الذين يعرفون القراءة والكتابة قبل بدء النزاع يصل إلى 79.6 %، في حين تتخوف الأمم المتحدة من جيل ضائع نظرًا لانعدام فرص التعليم.

وإن اختلفت معدّلات القراءة لدى الشباب السوري الذين تواصلت عنب بلدي معهم، إلا أنهم يتفقون -في أغلب الحالات- بأن الثورة السورية كسرت كثيرًا من الحواجز وأزاحت حُجُبًا عن حقائق كثيرة، موضحة الهوّة بين ثقافة السوريين المحدودة وبين المستوى المثالي الذي يتوجب عليهم أن يتمتعوا به ليكونوا أهلًا للمواجهة.

تابعنا على تويتر


Top