شمشون والخامنئي والملك عبد الله

عنب بلدي – العدد 145 – الأحد 30/11/2014

d983d8a7d8b1d98ad983d8a7d8aad98ad8b1-16إسماعيل حيدر

يحدثنا العهد القديم عن شمشون ودليلة، ذلك الرجل الذي أعطاه الله قوة خارقة لا حدود لها، ولكنه ضعف أمام دليلة وكشف لها سر قوته، فأوقعت به، واعتقله الفلسطينيون، وعندما أرادوا الاحتفال بإذلاله في عيد إلههم، قال قولته الشهيرة: لتمت نفسي مع الفلسطينين، وهدم العمودين المتوسطين للمعبد فسقط عليه وعلى الفلسطينيين.

أيًا ما تكن القصة فإنها تعبر عن حال الصراعات في عالمنا العربي المنكوب، حين يصبح القضاء والانتصار على الخصم وتدميره مقدمًا على النجاة الشخصية.

تأخذ الصراعات الداخلية في العالم العربي، لاسيما في مشرقه، شكلين أساسيين: هناك أولًا الصراع المذهبي السني الشيعي الواقع على محور الصراع السعودي الإيراني، ولدينا الصراع القطري السعودي الواقع على محور الصراع بين الثورات والثورات المضادة، وهناك في خلفية كل هذا الصراع العربي الإسرائيلي الذي قد يكون العامل الكامن وراءها.

الصراع المذهبي قديم قدم الإسلام، وإن كان قد أخذ شكله الحالي بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، أما الصراع الثاني فهو صراع قديم كذلك، ولكنه أخذ شكله الحالي بعد ثورات الربيع العربي.

يتقاطع هذان الصراعان في أهدافهما أحيانًا، وقد يتم دعم طائفي ضد الثورات فيضرب طرف الصراع المؤجج عصفورين بحجر، والأمثلة على ذلك كثيرة لا تحصى في بلدان الوطن العربي.

من المثير للسخرية أنه لم تتحقق الوحدة العربية منذ قرن كما تحققت فيه الآن، لم يعد هناك من شأن داخلي، إذ بات اللواء خليفة حفتر في ليبيا يعتبر شأنا سعوديًا خاصًا، كما يعتبر الدكتور محمد مرسي شأنًا قطريًا خالصًا، وعليه قس.

كما تتفاوت نتائج هذه الصراعات في كل بلد حسب ظروفه، ولكنها تتفاوت بين كارثية وكارثية جدًا بكل تأكيد.

ويبدو للمتابعين أن المحور الإيراني يعيش انتصاراته الآن في ميدان الصراع المذهبي، في حين يعيش المحور السعودي انتصاراته في ميدان الثورة المضادة، ولكن هذه الانتصارات ليست إلا كانتصار شمشمون سابق الذكر.

لقد ابتدعت إيران من بعد ثورتها مفهوم “الأمن القومي المذهبي”، وفي سبيل ذلك وجدت أن إحياء العصبيات المذهبية الشيعية وتجنيدها وعسكرتها، هو عمق الجمهورية الإيرانية الاستراتيجي.

والحال أن إيران نجحت في السيطرة على محور ممتد من طهران إلى بيروت، وأضافت له مؤخرًا صنعاء، التي تفاخر مسؤولوها بكونها العاصمة العربية الرابعة التي تسقط تحت حكم المرشد الأعلى.

ولكن، عدا عن دمار خصومها وتشريدهم، وإرواء الوهم الامبراطوري في النفوذ والسيطرة، ماذا جنت إيران من كل هذا؟

لم تكسب إيران اقتصاديًا من كل هذه السيطرة، إذ تشير الإحصاءات الاقتصادية أن التبادل التجاري الإيراني مع الدول التي سيطرت عليها هو أقل بما لا يقاس بحجم التبادل التجاري بين هذه الدول ذاتها وتركيا على سبيل المثال، بل على العكس، تمول إيران أربع حروب دون أن تجني منها إلا الخراب.

لم يستطع حلفاء إيران أن يحققوا حكمًا مستقرًا كما كانت تطمح، وهو ما أوقعها فيما وقع به الاتحاد السوفييتي سابقًا، حين دعم حركات التحرر حول العالم ولم يحصل منها في النهاية إلا الأعباء الاقتصادية، كما لم تكسب طهران سياسيًا، فلا حصّلت اتفاقًا نوويًا ولا رفعًا للعقوبات.

على المقلب الآخر نرى أن السعودية قد جنت نتائج مشابهة، فالسيسي يطلب مساعدات لا تنتهي، وخليفة حفتر لا يهزم ولا ينتصر والخلايا النائمة.

ولكن ماذا يعني كل هذا لحكام السعودية وإيران؟ لا يعني شيئًا بالتأكيد، فالهدف هو دمار الخصم لا بناء الذات، الهدف هو الانتصار، حتى لو كان انتصار هزيمة.

تابعنا على تويتر


Top