الخوف : حاجز يكسر ؟ أم حالة تذهب وتعود ؟

-بلدي-العدد-الثالث-والعشرون-الأحد-8-تموز-2012-دقة-عالية.pdf-Page-9-image-2.jpg

 

جريدة عنب بلدي – العدد 23 – الأحد – 8-7-2012

  عتيق – حُمص

  يحكم الطغاة شعوبهم بالخوف، المتولّد من الجهل أساسًا، ومن تحوّل العقيدة الحيّة إلى محنّطاتٍ نظريّة، ويتعزّز الخوف، بالقمع وأدواته، والقهر وإمكاناته، وهذا فقط ما يمنع الجماهير من التحرك، والمطالبة بحقوقها، والثورة على طغاتها. الخوف، لا غياب الإعلام الحرّ على أرضِ الواقع، ولا سيطرة أجهزة أمن الدولة على المؤسسات كافّة، ولا ولاء الجيش وقطاعاته للنظام وأركانه، ولا عدم وجود بديلٍ يحرّك الناس على تحقيقه، ولا أي شيءٍ آخر، إنه الخوف، وكل الباقي مجرّد تفاصيل.

لذلك ما إن انكسر حاجز الخوف، حتى كان بالإمكان تغيير كل عناصر المعادلة السابقة (وإن بدرجاتٍ متفاوتة في النجاح)، فالإعلام أُوجِدَ، والمؤسسات الأمنيّة لم يعد بإمكانها السيطرة على مناطق ثائرة تتمدّد أسبوعيًا، وولاء الجيش للنظام استعيض عنه بلجان مقاومةٍ شعبيّة، وهكذا..

ولإدراك النظام هذه الحقيقة، فقد انصبّ كل عمله، منذ الخامس عشر من آذار العام الماضي، وحتى اليوم على شيءٍ واحد: إعادة الناس الثائرة إلى ملاءة الخوف والرعب.

ليس لدى النظام (كنظام) حاجة غريزية في إسالة الدماء، وتعذيب المعتقلين، وتدمير المدن، وقتل السكّان، هذا كله لا يعنيه بشيء، لولا أنّه يخدم غرضه الوحيد: بثّ الرعب مجددًا في صفوف الثائرين.

والفيديوهات المسرّبة عمدًا عن تعذيب المعتقلين، وبثها الفضائي الذي يملأ أرجاء الأرض، يخدم هذا الغرض، القصف العشوائي يخدم هذا الغرض، المجازر المرتكبة بطرق لم يكن بالإمكان تخيّلها، والسماح للصور بأن تبث أيضًا يخدم هذا الغرض، (السماح والتسريب كانا يعوّضان قلة العاملين في المجال الإعلامي بداية الثورة، أو غيابهم عن ساحات الجريمة ساعة وقوعها).

ومع تصاعد وتيرة العنف، زيادة كمّه، ونوعّه، كان من الطبيعي أن يعود الخوف إلى صدور كثيرٍ من الناس، ليس بسبب الجبن أو التخاذل، لكنها الطبيعة البشريّة المركوزة في نفوسنا جميعًا، لكن البعض يقدر على العمل رغم هذا الخوف (مما يضعف مشاعر خوفه) والأكثر من الناس يكونون دون ذلك.

الأدوات المستخدمة في إعادة نشر ثقافة الخوف وقمع المعارضين والثائرين فاقت كل وصف، وكل ثورة، وكل نظام حاول أن يدافع عن وجوده يومًا، لذلك كان من الطبيعي أن نشمّ رائحة الخوف من جديد في المدن والبلدات الأكثر قمعًا (في مدينتي حمص بات هذا الأمر ملاحظًا من قبل الكثيرين)، وهذا لا يجب أن يدفعنا لتعنيف هذه الفئات (وهذه عادة سلبيّة في معظم الثائرين)، أو الحديث معهم بفوقيّة وكذا ..

يجب أن نكون فاهمين أن لهذا الخوف ما يبرره اليوم، لم يعد حاجز الخوف الذي كسر أول الثورة، هو ذلك الحاجز الوهمي، الذي اصطنع النظام فوبياه الخاصّة، بل بات مدعمًا بمئات الآلاف من الصور والفيديوهات والحوادث.

وليس في هذا ما يدعو للقلق على الثورة، فهذا الخوف هشّ للغاية، وهو مرتبط بقدرة النظام على استخدام أدوات قمعه المعروفة (هذه القدرة التي تشهد تراجعًا مستمرًا)، ثم إن المهم ألّا يصل الخوف إلى الطليعة الثائرة الأولى، التي تحرّك وترسم مسار الثورة، هذه الفئة التي شكلّت نسبتها إعجازًا حقيقيةً بكل ما تعنيه الكلمة من معنى (20% في ذروة الحراك الشعبي).

رغم ذلك فيجب أن ننتبّه إلى نقطة في غاية الأهميّة، إن بتنا نخشى على أنفسنا أو على بلدتنا، من إجرام الأسد، ولم نعد كما كنّا نشجّع أنفسنا على العمل، فالأهم ألّا نشجع أنفسنا على الخوف.

الظاهرة التي تشكّل خطرًا هي تخويف الثائرين (من قبل المجتمع لا من قبل الدولة)، ومحاولة ثنيهم عن ما هم عليه «هديّ شوي» و «وين طاير بهالزحمة»، ليس أقل من أن ندع هذه الفئة تكمل طريقها عن كل أبناء الوطن نحو التحرير والتخلص من الأسد وأدوات قمعه وسيطرته.

 

تابعنا على تويتر


Top